تعثر تمويل فيلم جديد لديفيد كروننبرغ رغم جاهزية السيناريو
ديفيد كروننبرغ: سيناريو جاهز.. والتمويل غائب
في خبر لافت لعشاق السينما المؤلفة، أكد المخرج الكندي ديفيد كروننبرغ، أحد أبرز الأسماء التي ارتبطت بتاريخ سينما الرعب الجسدي والخيال النفسي، أن مشروعه الروائي الجديد ما زال متوقفًا عند عقبة التمويل، رغم أن السيناريو أصبح مكتملًا بالفعل. كروننبرغ، البالغ من العمر 83 عامًا، قال في حوار نُشر يوم 24 أكتوبر 2026 مع صحيفة Il Resto del Carlino الإيطالية إن فيلمه المقبل لن يرى النور إلا عندما يجد الجهة القادرة على تمويله. وأضاف أن النص الذي كتبه مقتبس من روايته Consumed الصادرة عام 2014، ووصفه بأنه "قصة تجسس عظيمة".
الخبر يحمل دلالة خاصة داخل صناعة السينما؛ فحين يواجه اسم بحجم ديفيد كروننبرغ صعوبة في إغلاق تمويل فيلم جديد، فهذا يعكس بوضوح حجم الاضطراب الذي تعيشه سوق الأفلام المستقلة عالميًا، خصوصًا بعد التحولات التي فرضتها المنصات الرقمية منذ جائحة كورونا.
ما هو فيلم Consumed ولماذا يثير الاهتمام؟
المشروع الجديد يستند إلى أول رواية كتبها كروننبرغ، وهي Consumed، التي تدور في مساحة تجمع بين الهوس التكنولوجي، الصحافة، الجسد، والانهيار الأخلاقي داخل الثقافة الإعلامية الحديثة. وبالنظر إلى المسار الفني للمخرج، فإن تحويل هذه الرواية إلى فيلم يبدو امتدادًا طبيعيًا لعالمه السينمائي الذي اشتبك طويلًا مع العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا، من Videodrome إلى The Fly وCrash. هذا ما يجعل تعثر المشروع أكثر إثارة للنقاش من مجرد خبر إنتاجي عابر؛ لأن الأمر يتعلق بمخرج صاحب بصمة واضحة لا تزال مؤثرة في خطاب السينما العالمية حتى اليوم.
وبالنسبة للقارئ المصري المتابع للأفلام الفنية ومهرجانات السينما، فإن أهمية الخبر لا ترتبط فقط باسم كروننبرغ، بل بفكرة أن السينما التي تراهن على الرؤية والأسلوب الشخصي أصبحت تواجه اختبارًا اقتصاديًا أصعب من أي وقت مضى، في مقابل أعمال أكثر أمانًا تجاريًا وقابلة للتسويق السريع عبر أكثر من منصة عرض.
ما الذي قاله عن حال الصناعة بعد الجائحة؟
كروننبرغ أوضح في الحوار نفسه أن إنتاج السينما المستقلة أصبح أكثر تعقيدًا بعد الجائحة، مشيرًا إلى حالة ارتباك داخل السوق بشأن وجهة الفيلم منذ لحظة تطويره: هل يُصنع للعرض السينمائي؟ أم للبث عبر المنصات؟ أم لمشاهدة سريعة على الشاشات الصغيرة؟ هذه الضبابية، وفق منطقه، تجعل المشاريع غير التقليدية أول ضحايا التردد الاستثماري.
هذه الملاحظة ليست بعيدة عن واقع الصناعة عالميًا؛ فحتى الأفلام التي تحظى بحضور مهرجاني قوي لم تعد تضمن تلقائيًا مسارًا تجاريًا متماسكًا. ولهذا تبدو أفلام المخرجين أصحاب الأساليب الخاصة أكثر عرضة للتجميد، مهما كانت قيمتها الفنية أو مكانة صناعها.
The Shrouds: حضور مهرجاني قوي.. وعائدات محدودة
صعوبة تمويل Consumed تبدو مفهومة أكثر إذا نظرنا إلى أداء أحدث أفلام كروننبرغ، The Shrouds. الفيلم عُرض ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان كان 2024، ومدته 116 دقيقة، وهو إنتاج فرنسي-كندي، من كتابة وإخراج كروننبرغ نفسه، وبطولة فينسان كاسيل، وديان كروغر، وجاي بيرس، وساندرين هولت. تدور قصته حول رجل أعمال يبتكر تقنية مثيرة للجدل تتيح للأحياء مراقبة أحبائهم بعد الدفن، قبل أن تنقلب الأمور إلى تحقيق مشحون بالغموض.
ورغم هذا الزخم الفني، جاءت الأرقام التجارية متواضعة. فبحسب بيانات Box Office Mojo، حقق الفيلم إيرادات عالمية بلغت 1,515,905 دولار، منها 755,935 دولار في السوق الأمريكية و759,970 دولار دوليًا، بينما كان افتتاحه المحلي محدودًا عند 49,361 دولار. كما يشير السجل نفسه إلى أن أول طرح للفيلم كان في 3 أبريل 2025 بإيطاليا.
صحيح أن الأرقام وحدها لا تختصر القيمة الفنية، لكن في منطق التمويل الحالي تصبح شديدة التأثير، خاصة حين يتعلق الأمر بمخرج صاحب اسم كبير لكن أفلامه لا تتحرك دائمًا بمنطق السوق الواسع. لهذا يمكن قراءة تعثر Consumed بوصفه نتيجة مباشرة لمعادلة معقدة: تقدير نقدي عالٍ، مقابل عائدات تجارية لا تمنح المستثمرين شعورًا كافيًا بالأمان.
كروننبرغ والذكاء الاصطناعي: موقف أقل هلعًا وأكثر براغماتية
الجانب الآخر اللافت في تصريحات المخرج الكندي ديفيد كروننبرغ هو حديثه عن الذكاء الاصطناعي. ففي المقابلة نفسها قال إنه يستخدم هذه الأدوات يوميًا، وإنه يتوقع ظهور فيلم جيد جدًا مصنوع بالكامل بالذكاء الاصطناعي. لكنه في الوقت نفسه لا يرى أن هذا النمط سيصبح، على الأقل قريبًا، الشكل المهيمن على السينما السائدة.
تصريحات كهذه تكتسب وزنًا خاصًا لأنها صادرة عن مخرج بنى جزءًا كبيرًا من مشروعه الفني على تتبع التحولات التي تصيب الجسد والوعي بفعل التقنية. لذلك فإن حديثه عن الذكاء الاصطناعي لا يبدو مجرد مجاراة لموضة رائجة، بل امتدادًا منطقيًا لاهتمام قديم لديه حول الحدود الضبابية بين الإنسان والآلة والصورة.
ومن زاوية نقدية، يمكن القول إن موقف كروننبرغ هنا ليس احتفاليًا تمامًا ولا عدائيًا بالكامل؛ بل أقرب إلى قراءة واقعية: التكنولوجيا قادمة لا محالة، لكنها لن تلغي تلقائيًا أهمية الصوت الإخراجي الفردي أو التجربة الإنسانية التي تمنح الفيلم أثره الحقيقي.
هل يتحول الذكاء الاصطناعي إلى مخرج إنقاذ للمشاريع المتعثرة؟
السؤال الذي يفرض نفسه بعد هذه التصريحات هو: هل يمكن أن يلجأ كروننبرغ لاحقًا إلى أدوات الذكاء الاصطناعي لتسهيل إنجاز مشروعه المؤجل؟ لا توجد إجابة مؤكدة حتى الآن، ولم يعلن المخرج عن خطوة من هذا النوع، لكن الربط بين صعوبة التمويل وانفتاحه الواضح على التقنية يظل احتمالًا مطروحًا على مستوى النقاش النقدي، لا الخبر المؤكد.
في الوقت الراهن، ما نعرفه على وجه اليقين هو أن السيناريو جاهز، وأن المخرج ينتظر التمويل، وأن الصناعة نفسها تمر بمرحلة إعادة تعريف لعلاقة الفيلم بشاشة العرض، سواء كانت قاعة سينما أو منصة بث أو هاتفًا محمولًا.
لماذا يهم هذا الخبر جمهور "مراجعات الأفلام" في مصر؟
بالنسبة لقراء قسم مراجعات الأفلام في مصر، فإن خبر كروننبرغ يتجاوز الشأن الإنتاجي البحت. فهو يسلط الضوء على المسافة المتزايدة بين السينما التي تراهن على المغامرة الجمالية، والسينما التي تطلبها الحسابات السوقية. كما يطرح سؤالًا مهمًا على مستقبل الأفلام التي تعيش أساسًا على الجرأة والأسلوب الشخصي: هل ستظل قادرة على الوصول إلى الشاشة بنفس شروطها، أم ستضطر للتكيف مع نماذج إنتاج جديدة تفرضها المنصات والذكاء الاصطناعي؟
يبقى ديفيد كروننبرغ، الذي لا نملك تأكيدًا موثوقًا لحساب رسمي موثق له على إنستغرام، واحدًا من صناع الأفلام الذين يصعب التعامل معهم بلغة الربح والخسارة وحدها. لكن السوق الحالية لا تبدو متسامحة مع هذا النوع من الاستثناءات. وبين سيناريو جاهز لفيلم تجسس غير تقليدي، وتجربة حديثة حصدت حضورًا مهرجانيًا أكثر من العائدات، يقف Consumed الآن بوصفه مشروعًا معلقًا بين قيمة فنية مؤكدة وواقع تمويلي شديد القسوة.
أبرز الحقائق المؤكدة حتى الآن
- ديفيد كروننبرغ أكد في 24 أكتوبر 2026 أن فيلمه الجديد سيتحقق فقط عند تأمين التمويل.
- الفيلم مقتبس من روايته Consumed الصادرة عام 2014.
- The Shrouds شارك في المسابقة الرسمية لمهرجان كان 2024.
- إيرادات The Shrouds العالمية بلغت 1,515,905 دولار وفقًا لـ Box Office Mojo.
- كروننبرغ قال إنه يستخدم الذكاء الاصطناعي يوميًا ويتوقع ظهور فيلم قوي مصنوع بالكامل بهذه التقنية.