ترميمات جريئة تقود قسم الإعادات في مهرجان نيويورك 64
قسم الإعادات في مهرجان نيويورك 64: عندما تعود الأفلام بصيغتها الأقرب إلى نوايا صُنّاعها
في وقت تتسابق فيه المهرجانات الكبرى على تقديم العروض العالمية الأولى للأفلام الجديدة، يواصل مهرجان نيويورك السينمائي إثبات أن استعادة كلاسيكيات السينما ليست نشاطًا جانبيًا، بل جزءًا أصيلًا من النقاش النقدي حول تاريخ الصورة المتحركة ومستقبلها. الدورة الرابعة والستون من المهرجان، التي ينظمها Film at Lincoln Center وتقام بين 25 سبتمبر و12 أكتوبر 2026، خصصت لقسم Revivals برنامجًا يضم 12 فيلمًا طويلًا إلى جانب برنامجين للأفلام القصيرة النادرة. هذه الصيغة وحدها تكشف أن الرهان هذا العام ليس على النوستالجيا، بل على إعادة تقديم أفلام مؤثرة في ظروف عرض وترميم تسمح بقراءتها من جديد.
العنوان الأبرز في البرنامج بلا شك هو The Devils للمخرج البريطاني كين راسل، وهو فيلم لطالما ارتبط في الذاكرة السينمائية بالجدل والقص والحذف. الجديد هذه المرة أن المهرجان سيعرضه بوصفه العرض الأول في أمريكا الشمالية لنسخة 35 مم مرممة حديثًا، ويصفه البرنامج الرسمي بأنه متاح أخيرًا بصورته الكاملة غير الخاضعة للرقابة. الفيلم أُنتج عام 1971، ويمتد إلى 114 دقيقة، ويقوم ببطولته فانيسا ريدغريف وأوليفر ريد. وبحسب تفاصيل الترميم الرسمية، فقد جرى إعداد ترميم 4K من النيجاتيف الأصلي اعتمادًا على النسخة التي كان راسل قد شكّلها بنفسه في عام 2004، مع إعادة ترميم الصوت من عناصر أصلية، على أن يعقبه عرض تجاري لمدة أسبوع في لينكولن سنتر بدءًا من 16 أكتوبر 2026.
لماذا يبقى «The Devils» فيلمًا صعبًا ومهمًا في آن واحد؟
بالنسبة لقراء قسم مراجعات الأفلام، أهمية The Devils لا تتوقف عند تاريخه الرقابي فقط. العمل ما زال حتى الآن نموذجًا استثنائيًا لفيلم يستخدم الفخامة البصرية، والرموز الدينية، والهستيريا الجماعية، كي يقدّم هجومًا لاذعًا على تواطؤ السلطة السياسية مع المؤسسة الدينية. القصة، المقتبسة من مادة مرتبطة بكتاب Aldous Huxley، تدور حول اتهام كاهن بالتواطؤ مع الشيطان بعد مزاعم تصدر عن راهبة، قبل أن يتسع الأمر إلى مناخ من الامتلاك والذعر داخل الدير. هذه الحبكة قد تبدو تاريخية، لكنها في الجوهر قراءة في كيفية تصنيع الاتهام وتحويله إلى أداة قمع.
ما يجعل العودة إلى الفيلم اليوم مثيرة للاهتمام هو أن الترميم لا يضيف فقط جودة صورة أفضل، بل يعيد أيضًا مواد حُذفت سابقًا وكان كين راسل يعتبرها من أكثر أجزاء العمل سياسية وجرأة. من هنا، لا تبدو استعادته في مهرجان بحجم نيويورك مجرد تحية لفيلم «ممنوع سابقًا»، بل اعترافًا متأخرًا بقيمته الفنية داخل تاريخ السينما البريطانية، خصوصًا أن مهرجان كان 2026 كان قد احتفى أيضًا بالنسخة المرممة ضمن Cannes Classics.
«Gone to Earth» يعود كاملًا بترميم 4K وتوقيع سكورسيزي
إذا كان The Devils هو عنوان الصدمة، فإن Gone to Earth يمثل في المقابل عنوان الإنقاذ السينمائي البطيء والدقيق. الفيلم أخرجه الثنائي الشهير مايكل باول وإيمريك برسبرغر عام 1950، ويعود الآن إلى الواجهة من خلال العرض العالمي الأول لترميم 4K جديد في مهرجان نيويورك. النسخة المعروضة تبلغ 111 دقيقة، ويصفها المهرجان بأنها أول ترميم كامل للنسخة الأصلية من الفيلم، بعد عقود من التعقيد المرتبط بالتدخلات التي أجراها المنتج الأمريكي David O. Selznick عندما أعاد مونتاجه وطرحه لاحقًا بعنوان The Wild Heart في عام 1952.
الأهمية الكبرى هنا تتعلق بعملية الترميم نفسها. فالمهرجان يؤكد أن المشروع تم بإشراف مارتن سكورسيزي (@martinscorsese_ على إنستغرام) وثيلما سكونمايكر، مع الاستفادة من مواد إيجابية محفوظة لدى المعهد البريطاني للأفلام BFI إلى جانب النيجاتيف المتضرر. كما أن بيانات الفيلم تذكر أن الترميم أُنجز في 2026 بواسطة Walt Disney Studios بالتعاون مع The Film Foundation وبمشاركة BFI وGeorge Eastman Museum وMuseum of Modern Art. هذه شبكة مؤسسات تكشف حجم الجهد المطلوب لإعادة فيلم واحد إلى صورته الأقرب لروح صنّاعه.
الفيلم نفسه يستحق كل هذا العناء. في مركزه أداء لافت من جينيفر جونز في دور Hazel Woodus، المرأة المرتبطة بالطبيعة والرافضة للخضوع لسلطة الأب أو رجل الدين أو مالك الأرض المندفع. ومن خلال هذه الشخصية، يبني باول وبرسبرغر عملًا بصريًا كثيفًا عن الرغبة والريف والأسطورة والاندفاع نحو الحرية. من منظور نقدي، قد يكون Gone to Earth أقل شهرة جماهيرية من عناوين أخرى للثنائي، لكنه أحد تلك الأفلام التي تتغير صورتها تمامًا عندما تُشاهد في نسخة سليمة بصريًا وزمنيًا.
ما الذي يكشفه برنامج الإعادات هذا العام؟
بعيدًا عن الفيلمين الأبرز، يؤكد البرنامج أن قسم Revivals في نيويورك لا يكتفي بتكرار «الكانون» المعروف. القائمة تضم أيضًا أعمالًا مثل Goodbye South, Goodbye لهو شياو-شين، وL’innocente للوكينو فيسكونتي، وJust Like Weather لألن فونغ، إلى جانب برنامجين مخصصين للمخرج الأرميني Artavazd Pelechian. هذا التنوع بين السينما البريطانية، والآسيوية، والإيطالية، والفرنسية، والأرمينية، يعكس رؤية تعتبر أن تاريخ السينما لا يُصان فقط عبر الأسماء الأشهر، بل أيضًا عبر إعادة وضع الأعمال المهملة أو الصعبة داخل سياق نقدي جديد.
ومن زاوية مصرية وعربية، تبدو هذه البرمجة شديدة الصلة بالنقاش المحلي حول الأرشفة والترميم. فالجمهور في المنطقة يعرف جيدًا معنى أن يختفي فيلم مهم بسبب سوء الحفظ، أو أن يُعرض بنسخ مبتورة تفقده قوته الأصلية. لذلك فإن متابعة ما يفعله مهرجان نيويورك هنا ليست مجرد خبر أجنبي، بل تذكير عملي بأن الترميم هو كتابة ثانية لتاريخ السينما، وأن النسخة التي نراها قد تعيد ترتيب مكانة فيلم كامل في الذاكرة النقدية.
قراءة أخيرة: الإحياء ليس حنينًا بل مراجعة نقدية
اللافت في اختيار The Devils وGone to Earth معًا أنه يجمع بين حالتين مختلفتين من «استرداد» الفيلم: الأول يستعيد ما حذفته الرقابة والضغوط الأخلاقية، والثاني يستعيد ما شوهته تدخلات الإنتاج وإعادة المونتاج. في الحالتين، نحن لا نتحدث عن مجرد تنظيف الصورة أو رفع الدقة إلى 4K، بل عن محاولة الاقتراب من النسخة التي تعبر بصدق أكبر عن رؤية المخرج.
لهذا يبدو قسم الإعادات في مهرجان نيويورك السينمائي 64 أكثر من مجرد مساحة لهواة الكلاسيكيات. إنه منصة لمراجعة أحكام قديمة، واختبار كيف يمكن لترميم واحد أن يبدل نظرتنا إلى فيلم بكامله. وبين الجموح البصري الصادم في The Devils، والرومانسية المشوبة بالأسطورة في Gone to Earth، يحصل جمهور المهرجان هذا الخريف على درس مزدوج في معنى أن تعود الأفلام إلى الحياة، لا كآثار محفوظة في المتحف، بل كأعمال ما زالت قادرة على إرباكنا وإبهارنا وإعادة تشكيل ذائقتنا النقدية.