تأجيل مهرجان الإسكندرية 2027.. خسارة مؤقتة للسينما المصرية
غياب مهرجان الإسكندرية السينمائي في 2026: ماذا خسر الوسط المصري؟
لم يعد الحديث عن تأجيل الدورة 42 من مهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط إلى 2027 مجرد تكهنات داخل الوسط الثقافي، بعدما حُسم الملف خلال يوليو 2026. فبحسب ما نُشر، رأت اللجنة العليا للمهرجانات أن خروج الدورة الجديدة في هذا التوقيت أصبح صعبًا، مع منح الجمعية المصرية لكتاب ونقاد السينما مهلة 14 شهرًا لوضع خطة لإعادة بريق المهرجان واستعادة الثقة فيه، بعد أزمة إدارية ومالية وتعثر في الاستعدادات للدورة التي كانت مقررة في سبتمبر 2026. كما سبق أن رُفض التصريح بإقامة الدورة 42 أصلًا في 1 يونيو 2026، وكانت المواعيد المطروحة لها من 26 إلى 30 سبتمبر. وفي موازاة ذلك، أيدت لجنة طارئة من داخل الوسط السينمائي تأجيل الدورة إلى 2027، معتبرة أن المطلوب ليس إقامة دورة بأي ثمن، بل إصلاحًا حقيقيًا يضمن عودة تليق باسم الإسكندرية وتاريخ المهرجان.
هذا القرار يخص مؤسسة ثقافية بعينها، لكنه في أثره الأوسع يمس السينما المصرية في الإسكندرية مباشرة؛ لأن المهرجان لم يكن مجرد منصة لعرض أفلام متوسطية وعربية، بل نافذة سنوية ثابتة تمنح المدينة حضورًا سينمائيًا مختلفًا عن القاهرة، وتخلق مساحة لقاء بين صناع الأفلام والجمهور والنقاد داخل محافظة لها تاريخ طويل مع الصناعة والثقافة.
المهرجان كان يمنح الأفلام المصرية منصة محلية ذات وزن
أهمية الغياب هذا العام تظهر بوضوح عند النظر إلى ما حدث في الدورة 41 التي انطلقت في 2 أكتوبر 2025 على مسرح مكتبة الإسكندرية، وحملت اسم الفنانة ليلى علوي، بينما كان المغرب ضيف الشرف. الدورة نفسها لم تكتف بالعروض، بل ضمت ورشًا وماستر كلاس ومؤتمرًا عن مستقبل السينما في عصر الذكاء الاصطناعي، وهو ما جعلها مساحة تشغيل ثقافي ومهني، لا مجرد برنامج أفلام.
والأهم أن الدورة الأخيرة منحت حضورًا فعليًا لأفلام مصرية داخل مسابقاتها الرئيسية. ففي الختام يوم 7 أكتوبر 2025، فاز الفيلم المصري «المنبر» للمخرج أحمد عبدالعال بجائزة أفضل فيلم في مسابقة الفيلم المتوسطي الطويل، بينما ذهبت جائزة أفضل فيلم في مسابقة الفيلم المصري الطويل إلى «رسايل الشيخ دراز» للمخرجة ماجي مرجان. كما نال الفنان ناجي شحاتة جائزة أفضل إبداع فني عن دوره في فيلم «سينما منتصف الليل» للمخرج مازن لطفي، وحصل فيلم «قصة الخريف» للمخرج كريم مكرم على جائزة لجنة التحكيم الخاصة.
هذه الأسماء ليست تفصيلًا عابرًا؛ لأنها تشرح ما الذي يعنيه غياب المهرجان. حين تغيب دورة كاملة، تفقد الأفلام المصرية، خصوصًا المستقلة ومتوسطة الإنتاج، منصة عرض واعتراف داخل مدينة جماهيرية كالإسكندرية. وكثير من هذه الأفلام لا تملك دومًا فرص توزيع تجاري واسع، لذا تصبح المهرجانات المحلية جزءًا من دورة حياتها: عرض أول أو ثانٍ، متابعة نقدية، صور صحفية، نقاشات، وترشيحات لاحقة.
ما الذي يخسره صناع السينما في الإسكندرية تحديدًا؟
1) خسارة نافذة عرض خارج المركز القاهري
المشهد السينمائي المصري شديد التمركز في القاهرة، سواء في الإنتاج أو العلاقات المهنية أو الفعاليات. لذلك كان مهرجان الإسكندرية يخفف هذا التمركز ولو لأيام قليلة كل عام. غيابه في 2026 يعني أن المدينة ستفقد حدثًا يستقطب صناع الأفلام والنقاد والضيوف إلى فضاء سكندري خالص، من مكتبة الإسكندرية إلى حدائق أنطونيادس وما يرتبط بهما من ذاكرة ثقافية وسياحية.
2) تراجع فرص الترويج للأفلام المصرية الجديدة
الأفلام التي كانت تجد في المهرجان مناسبة لإطلاق صورها وملفاتها الصحفية أو حصد جائزة تساعدها لاحقًا في التسويق، ستحتاج الآن إلى البحث عن بدائل. بالنسبة لمنتجين ومخرجين شباب، فإن الفوز أو حتى المشاركة في مهرجان عريق تأسس عام 1979 كان يمنح العمل قيمة مضافة عند التفاوض على عروض لاحقة أو جولات مهرجانية.
3) غياب التواصل المباشر بين الجمهور والسينمائيين
واحدة من وظائف المهرجان أنه يعيد السينما إلى النقاش العام داخل المدينة. الندوات وورش العمل والماستر كلاس في الدورة 41 أظهرت أن الحدث كان قادرًا على جمع الطلاب والهواة والجمهور مع صناع السينما في مساحة واحدة. تأجيل الدورة يحرم الإسكندرية هذا العام من هذا النوع من الاحتكاك الحي الذي لا تعوضه منصات المشاهدة الرقمية بسهولة.
4) تأثير اقتصادي وثقافي على المدينة
المهرجانات ليست نشاطًا رمزيًا فقط. وصول ضيوف وفنانين وإعلاميين يعني حركة في الفنادق والمطاعم والمواصلات والفعاليات المصاحبة. وفي مدينة مثل الإسكندرية، التي تراهن دائمًا على هويتها الثقافية إلى جانب بعدها السياحي، فإن غياب مهرجان سينمائي بهذا الحجم يترك فراغًا واضحًا في موسم الخريف الثقافي.
لكن هل الغياب كله سلبي؟
ليس بالضرورة. فالمبررات المعلنة للتأجيل تشير بوضوح إلى أن الأزمة لم تكن مرتبطة بالتوقيت فقط، بل بملاحظات على الإدارة والتمويل ومستوى المهرجان خلال السنوات الأخيرة. كما أن بيانات المتابعين للأزمة شددت على أن الهدف الآن هو استعادة الثقة، لا تنظيم دورة سريعة تحت الضغط. من هذه الزاوية، قد يكون غياب 2026 أقل كلفة من إقامة دورة مرتبكة تُضعف اسم المهرجان أكثر.
المعنى هنا أن الوسط السينمائي في الإسكندرية أمام سنة فاصلة: إما أن تُستثمر مهلة الـ14 شهرًا في إعادة بناء حقيقية، أو يتحول التأجيل إلى علامة على فقدان أحد أقدم المهرجانات المصرية لقدرته على الاستمرار بنفس تأثيره التاريخي. لذلك، لا يُقرأ القرار فقط بوصفه إلغاء موسم، بل اختبارًا لقدرة الجهة المنظمة على الإصلاح المؤسسي والفني.
ما البدائل المتاحة للأفلام المصرية خلال عام الغياب؟
- الاعتماد على مهرجانات مصرية أخرى لالتقاط زخم العرض الأول أو الجوائز، خصوصًا للأفلام التي تحتاج إلى بطاقة تعريف نقدية وإعلامية.
- تعزيز العروض الخاصة والنوادي السينمائية داخل الإسكندرية، عبر مكتبة الإسكندرية والمراكز الثقافية والمساحات المستقلة، حتى لا تختفي الحركة السينمائية من المدينة طوال العام.
- الرهان على الورش والبرامج المهنية بدلًا من انتظار دورة المهرجان فقط، لأن بناء جمهور وصناع جدد يحتاج إلى نشاط متصل لا موسمي.
- الاستفادة من الزخم الذي صنعته الدورة 41، خاصة للأسماء التي حققت حضورًا مثل «المنبر» و«رسايل الشيخ دراز» و«قصة الخريف» و«سينما منتصف الليل»، وتحويل هذا الحضور إلى مسارات عرض جديدة.
الخلاصة: الإسكندرية لا تحتاج مجرد مهرجان.. بل مهرجانًا مؤثرًا
تأجيل الدورة 42 من مهرجان الإسكندرية السينمائي إلى 2027 خبر صعب على أي متابع للسينما المصرية، لكنه يكشف أيضًا مشكلة أعمق من غياب حدث سنوي. ما تخسره الإسكندرية هذا العام هو منصة محلية راسخة تمنح أفلام مصرية مساحة عرض واعتراف وحوار، وتمنح المدينة نفسها دورًا ثقافيًا حيًا داخل خريطة السينما الوطنية. لكن ما يمكن كسبه، إذا أُديرت الأشهر المقبلة بجدية، هو عودة مهرجان أكثر تنظيمًا وفاعلية وقدرة على خدمة صناع السينما فعلًا، لا الاكتفاء بالحضور الشكلي.
وبين الخسارة المؤقتة والرهان على الإصلاح، تبقى الحقيقة الأهم أن السينما المصرية في الإسكندرية تحتاج إلى أكثر من مناسبة احتفالية عابرة؛ تحتاج مؤسسة قوية، برنامجًا واضحًا، صلة حقيقية بالمدينة، وفرصًا مستمرة للأفلام والمخرجين والجمهور. عندها فقط، سيكون غياب 2026 استراحة اضطرارية تسبق عودة مستحقة في 2027.