«بين ضفتين» بعد جائزة «عيش»: هل يعبر إلى الشاشة؟
فوز مهم.. لكن السؤال الأهم يبدأ بعد منصة التتويج
فوز المخرج المصري الشاب فارس التابعي بجائزة «عيش» في الدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي عن مشروع فيلمه القصير «بين ضفتين» لم يكن خبرًا عابرًا داخل زحام المهرجانات. الإعلان جاء خلال فعالية خاصة ضمن أيام المهرجان المقام في الجونة من 15 إلى 23 أكتوبر 2026، وبالشراكة بين مهرجان الجونة السينمائي (@elgounafilmfestivalofficial على إنستغرام) وبرنامج الأغذية العالمي في مصر (@wfp_egypt على إنستغرام) وشركة زست. والأهمية هنا لا تتعلق فقط باسم الفائز، بل بالسؤال الذي يهم السينما المصرية نفسها: هل يستطيع مشروع قصير خرج من منصة دعم مرتبطة بقضية اجتماعية أن يتحول إلى فيلم مُنتَج ومشاهد، لا إلى خبر مهرجاني ينتهي بانتهاء الدورة؟
بحسب ما أعلنته الجهات المنظمة، فاز التابعي بالنسخة الثالثة من مسابقة «عيش» للأفلام القصيرة عن فكرة «بين ضفتين». والمسابقة، منذ انطلاقها، تدور حول الأمن الغذائي بوصفه محورًا إنسانيًا واجتماعيًا يمكن للسينما أن تشتغل عليه بصريًا ودراميًا، لا كشعار دعائي فقط. هذه النقطة تحديدًا تفسر لماذا يحظى الفوز باهتمام أكبر من مجرد تكريم رمزي.
ما الذي نعرفه يقينًا عن «عيش» ولماذا يهم ذلك؟
المعطيات المتاحة من المصادر الرسمية تساعد على قراءة الوزن الحقيقي للجائزة. مسابقة «عيش» أطلقت في 2024 بالتعاون بين برنامج الأغذية العالمي وزست ومهرجان الجونة، وتدعو صناع الأفلام من مصر والعالم العربي إلى تطوير أفلام قصيرة بحد أقصى 15 دقيقة حول قضية الأمن الغذائي. هذا السقف الزمني مهم؛ لأنه يضع المشروع داخل مساحة عملية نسبيًا للإنتاج، مقارنة بمشروعات أولى أو طويلة تحتاج تمويلًا أوسع وتعقيدات أكبر.
الأهم أن المسابقة لديها سابقة ملموسة يمكن القياس عليها. فالفيلم الفائز في النسخة الأولى، «خوفو» للمخرج محمد خالد العاصي، لم يبقَ عند مستوى الإعلان عن الفائز فقط؛ بل أعلن برنامج الأغذية العالمي في 8 يوليو 2026 اختيار الفيلم للمشاركة في مسابقة Pardi di Domani الدولية في مهرجان لوكارنو السينمائي الـ79 في سويسرا خلال الفترة من 5 إلى 15 أغسطس 2026. ووفق البيان نفسه، أُنتج الفيلم بدعم من المسابقة وبالتعاون مع Zest وFig Leaf Studios. هذه السابقة لا تضمن آليًا أن «بين ضفتين» سيكرر المسار نفسه، لكنها تثبت أن منصة «عيش» قادرة، على الأقل، على نقل مشروع من مرحلة الفكرة إلى الإنتاج ثم إلى منصة عرض دولية.
لماذا يبدو فوز فارس التابعي مختلفًا في السياق المصري؟
لأن القضية هنا ليست فقط في قيمة الجائزة، بل في توقيتها داخل مشهد يبحث فيه كثير من المخرجين الشباب عن حلقة الوصل بين التطوير والتنفيذ. مهرجان الجونة يعرّف نفسه بوضوح كمنصة لدعم وتمكين صناع الأفلام الناشئين في مصر والمنطقة، كما أن ذراعه الصناعية سيني جونة مبنية أصلًا على التشبيك وفرص التطوير والدعم المهني. وفي 2026، فتح المهرجان التقديمات لبرامج الصناعة والأفلام حتى 30 يونيو 2026 لمشروعات التطوير، و15 يوليو 2026 لأفلام ما بعد الإنتاج، بما يعكس بنية مؤسسية مستمرة لا مجرد حدث احتفالي عابر.
من هنا، يصبح فوز فارس التابعي أقرب إلى اختبار حقيقي لمدى قدرة هذه البنية على احتضان صانع فيلم مصري شاب ودفع مشروعه إلى الأمام. خصوصًا أن التابعي ينتمي إلى جيل يتحرك بين التعلم العملي والاحتكاك المهني أكثر من اعتماده على المسارات التقليدية المغلقة. والمعلومات المتاحة عنه تشير إلى أنه مخرج مصري شاب من بورسعيد انتقل إلى القاهرة عام 2021 لدراسة السينما في مدرسة السينما بالجزويت، وهي خلفية توحي بأن المشروع يأتي من مسار مستقل وطموح، لا من مؤسسة إنتاجية كبيرة جاهزة مسبقًا.
من الدعم إلى الإنتاج: أين تكمن الفرصة الفعلية؟
الفرصة الفعلية تبدأ من أن «عيش» ليست منحة خطابية عن “أهمية الفن”، بل مبادرة ذات موضوع محدد وشركاء واضحين وسابقة إنتاج مثبتة. هذا يعني أن «بين ضفتين» لديه نظريًا ثلاثة عناصر نادرة نسبيًا في الفيلم القصير المصري:
- موضوع يمكن تسويقه مهرجانيًا لأنه مرتبط بالأمن الغذائي بوصفه قضية عابرة للحدود.
- شبكة شركاء تضم مؤسسة أممية ومهرجانًا عربيًا بارزًا وشريكًا إنتاجيًا/تنفيذيًا.
- سابقة نجاح تؤكد أن المشروع الفائز يمكن أن يتحول إلى فيلم مكتمل لا إلى ملف على الرف.
في الحالة المصرية، هذه العناصر تصنع فارقًا كبيرًا. فالأفلام القصيرة لا تعاني فقط من نقص التمويل، بل من غياب السلسلة الكاملة: تطوير جيد، ثم تنفيذ منضبط، ثم خطة عروض واضحة. كثير من المشروعات تحصل على إشادة أولية، لكنها تتعثر عند واحدة من هذه الحلقات الثلاث. لذلك، إذا استطاع «بين ضفتين» أن يحافظ على تماسكه من الفكرة إلى السيناريو إلى التنفيذ، فالجائزة تمنحه بالفعل أفضلية بنيوية مقارنة بكثير من الأفلام القصيرة المستقلة في مصر.
لكن أين العقدة؟ العرض، لا الإنتاج فقط
مع ذلك، فإن العقبة الأكبر لا تكمن غالبًا في إنتاج الفيلم القصير وحده، بل في العرض والوصول. حتى عندما يُنجز الفيلم تقنيًا وفنيًا، يظل السؤال: من سيشاهده؟ في مصر، لا توجد سوق مستقرة لعرض الأفلام القصيرة تجاريًا، والاعتماد يبقى أساسًا على المهرجانات، العروض الخاصة، الجامعات، المنصات الثقافية، أو النشر الرقمي الانتقائي. وهذا يجعل رحلة أي فيلم قصير ناجح ناقصة إذا توقفت عند “شارك في مهرجان” من دون أن تتحول إلى مشاهدة أوسع أو مسار مهني لصانعه.
هنا يمكن قراءة تجربة «خوفو» باعتبارها مؤشرًا مشجعًا لا حلًا كاملًا. وصول الفيلم إلى لوكارنو إنجاز مهم جدًا، لكنه يظل في إطار التقدير المهرجاني الدولي. التحدي التالي دائمًا هو: هل يتحول هذا الإنجاز إلى اسم يفتح أبوابًا للمخرج التالي؟ وهل تُبنى عليه شبكة تمويل وعرض جديدة داخل مصر نفسها؟
هل يملك «بين ضفتين» مقومات العبور؟
الإجابة الواقعية هي: نعم، لكن بشروط. أول هذه الشروط أن تتعامل الجهة الداعمة مع المشروع بوصفه فيلمًا قابلًا للحياة بعد الجائزة، لا مجرد عنوان فائز في بيان صحفي. ثانيها أن يُصاغ الفيلم على نحو يوازن بين البعد الإنساني والبعد الفني؛ لأن موضوع الأمن الغذائي، رغم أهميته، قد يقع بسهولة في فخ المباشرة إذا غلبت الرسالة على الدراما. وثالثها أن تُبنى منذ البداية خطة واضحة للمسار التالي: هل الهدف مهرجانات كبرى؟ هل هناك عرض مصري أول؟ هل توجد شراكات مع منصات أو مؤسسات ثقافية محلية؟
إذا تحقق ذلك، فإن الزخم الحالي قد يتحول إلى فرصة فعلية، ليس فقط لفارس التابعي، بل كنموذج مصري مهم: مشروع قصير يبدأ من منصة دعم، ثم يجد إنتاجه، ثم يخرج إلى جمهور أوسع ولو تدريجيًا. أما إذا توقف المسار عند لحظة الفوز، فسيبقى «بين ضفتين» مجرد مثال جديد على الفجوة المعروفة بين دعم التطوير وواقع التوزيع.
الخلاصة: اختبار صغير لصناعة أكبر
ما يجعل خبر فوز فارس التابعي مهمًا لقراء قسم السينما المصرية ليس فقط اسم الجائزة، بل ما تمثله من اختبار لصناعة الفيلم القصير في مصر اليوم. لدينا مشروع مصري، داخل مهرجان مصري، تدعمه شبكة حقيقية، وله أمامه مثال سابق هو «خوفو» الذي انتقل من الفوز إلى الإنتاج ثم إلى لوكارنو. هذا وحده كافٍ ليجعل التفاؤل مشروعًا.
لكن التفاؤل المهني يجب أن يبقى مشروطًا بالخطوة التالية. الجائزة تفتح الباب، نعم؛ لكنها لا تعبره وحدها. ما سيحسم مصير «بين ضفتين» هو ما إذا كانت منظومة الدعم ستكمل مهمتها حتى النهاية: فيلم مُنجز، ومسار عروض ذكي، واسم مصري شاب يخرج من الهامش إلى الخريطة. عندها فقط يصبح الزخم فرصة حقيقية، لا مجرد لحظة لامعة في موسم المهرجانات.