Egypt Box Office

بوستر شادية.. هل يفتح باب ترميم ذاكرة السينما المصرية؟

من أزمة بوستر إلى سؤال أكبر عن الذاكرة البصرية

لم يعد الجدل الذي أحاط ببوستر الدورة السابعة والأربعين من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي مجرد نقاش عابر حول الذوق الفني أو حدود استخدام الذكاء الاصطناعي في التصميم. فبعد ساعات من الانتقادات الواسعة لصورة الفنانة الراحلة شادية في هيئة «فؤادة» من فيلم «شيء من الخوف»، أعلنت إدارة المهرجان تعديل ملامح الصورة بعد مراجعة النسخ الكبيرة من الملصق، في خطوة عكست اعترافًا بأن المسألة تتجاوز بوسترًا واحدًا إلى علاقة الجمهور المصري بصور نجومه المحفورة في الوجدان.

المهرجان، الذي تنظمه وزارة الثقافة المصرية ويقام في دورته الـ47 بين 11 و20 نوفمبر 2026، طرح البوستر ضمن دورة تحمل دلالة خاصة بوصفها دورة مرور 50 عامًا على انطلاق المهرجان عام 1976. وقد تصدرت شادية البوستر بصفتها رمزًا مركزيًا، بينما أوضح المهرجان في مؤتمره الصحفي أن التصميم يستدعي إرث السينما المصرية وملف الحفاظ على التراث وترميمه. لكن الاعتراضات على ملامح شادية دفعت إدارة المهرجان إلى تعديل الصورة بالفعل، بحسب ما أكده المدير الفني محمد طارق، فيما دافع رئيس المهرجان حسين فهمي (@hussien.fahmi.official على إنستغرام) عن الفكرة العامة للبوستر وربطها بدلالات رمزية مستلهمة من شخصية «فؤادة».

لماذا كانت صورة شادية حساسة إلى هذا الحد؟

السبب ليس نجومية شادية فقط، بل لأن الحديث هنا عن واحدة من أكثر الصور رسوخًا في الوعي المصري: شادية في «شيء من الخوف»، الفيلم الذي أخرجه حسين كمال عام 1969 عن قصة ثروت أباظة، والذي ما يزال حاضرًا بوصفه أحد كلاسيكيات السينما المصرية. وعلى الصفحة الرسمية لبرنامج مهرجان القاهرة، يظهر الفيلم نفسه ضمن مادة تعريفية تؤكد مكانته ضمن كلاسيكيات السينما المصرية، مع بطولته لشادية ومحمود مرسي ومحمد توفيق ويحيى شاهين وأمل زايد.

هنا تكمن المفارقة: البوستر أراد الاحتفاء بالتراث، لكنه فجّر سؤالًا عن كيفية تمثيل هذا التراث بصريًا. فالجمهور لم يعترض على استحضار شادية، بل على أن الاستحضار لم يبدُ أمينًا كفاية لملامحها. وهذه نقطة مهمة؛ لأن الذاكرة السينمائية في مصر ليست محفوظة فقط في الأفلام الكاملة، بل في الصور الفوتوغرافية، والأفيشات الأصلية، ولقطات النجوم، وتصميمات الدعاية التي صنعت علاقة أجيال كاملة بالأفلام.

هل أخطأ الذكاء الاصطناعي أم كشف مشكلة أقدم؟

الأسهل دائمًا هو تحميل الذكاء الاصطناعي المسؤولية كاملة، لكن الأزمة في الحقيقة كشفت مشكلة أعمق: نقص الاستثمار المؤسسي المنهجي في صيانة وترميم الذاكرة البصرية للسينما المصرية. فحين تصبح الصورة الأصلية أو المرجع البصري المعتمد غير متداول بما يكفي، أو حين يجري اللجوء إلى معالجة رقمية غير منضبطة، تظهر الفجوة فورًا بين ما تتذكره العين المصرية وما يخرج إلى الجمهور.

من هذه الزاوية، يبدو تعديل البوستر خطوة إيجابية، لا لأنها أنهت الجدل، بل لأنها أعادت طرح سؤال عملي: لماذا لا يصبح ملف ترميم الصور والأفيشات والمواد الدعائية القديمة جزءًا معلنًا من مشروع أوسع لحفظ التراث السينمائي، على غرار الاهتمام المتزايد بترميم الأفلام نفسها؟

المهرجان نفسه لمح إلى هذا الاتجاه

في تقديمه للدورة الـ47، شدد مهرجان القاهرة السينمائي الدولي (@cairofilmfestival على إنستغرام إذا كان القارئ يتابع حساب المهرجان الرسمي المعروف بهذا الاسم) على فكرة العلاقة بين ماضي السينما ومستقبلها، وعلى أن إعادة الوضوح إلى الصور ومنح الأفلام فرصًا جديدة للعرض يفتحان نافذة على زمن وتجربة إنسانية يمكن أن تلهم صناع السينما الجدد. هذه الصياغة مهمة، لأنها تنقل الترميم من كونه مهمة تقنية إلى كونه عملًا ثقافيًا يعيد وصل الأجيال.

كما أشارت تغطيات صحفية محلية إلى أن المهرجان يركز هذا العام على ملف الحفاظ على الهوية السينمائية وترميم الأفلام، مع الحديث عن عرض 27 فيلمًا مصريًا كلاسيكيًا بعد ترميمها. وحتى لو كان الرقم بحد ذاته يحتاج دائمًا إلى متابعة تفصيلية مع إعلان البرنامج الكامل، فإن الاتجاه العام واضح: هناك وعي متزايد بأن الكلاسيكيات المصرية لم تعد مادة نوستالجيا فقط، بل أصل ثقافي قابل لإعادة التقديم والاستثمار والتداول.

من ترميم الفيلم إلى ترميم الصورة: ما الذي ينقصنا؟

السنوات الأخيرة شهدت نماذج مهمة في هذا المسار. من أبرزها الإعلان عن انتهاء مركز إحياء التراث السمعي والبصري بمدينة الإنتاج الإعلامي من ترميم فيلم «الأرض» ليوسف شاهين بتقنية 4K، مع معالجة النسخة الأصلية، وتصحيح الألوان، وتنقية الصورة والصوت، تمهيدًا لعرضه في سينما زاوية ضمن احتفالات مئوية يوسف شاهين. كما جرى الإعلان أيضًا عن ترميم فيلم «الناس والنيل» في الإطار نفسه. وتكشف هذه المشروعات أن الخبرة التقنية موجودة، وأن فكرة الإنقاذ ليست نظرية.

لكن ترميم الفيلم لا يكفي وحده. الأرشيف البصري الأوسع يشمل:

  • الأفيشات الأصلية التي تعرض كثير منها للتلف أو النسخ الرديء.
  • الصور الفوتوغرافية الخاصة بالتصوير والدعاية.
  • النيجاتيف والشفافيات الخاصة بالحملات الصحفية القديمة.
  • الكتيبات والمواد المطبوعة للمهرجانات والعروض الأولى.
  • الهويات البصرية التي تشكل ذاكرة استقبال الجمهور للأفلام والنجوم.

ومن دون هذا المسار الموازي، ستظل المفارقة قائمة: نُرمم الفيلم، لكننا نعيد تقديمه للجمهور بصورة دعائية مهزوزة أو غير دقيقة، فتضعف القيمة الرمزية نفسها التي نحاول إنقاذها.

لماذا يهم هذا الملف الآن تحديدًا في مصر؟

لأن مصر لا تمتلك مجرد رصيد أفلام قديمة، بل تمتلك الذاكرة البصرية المركزية للسينما العربية. صورة شادية، وفاتن حمامة، ورشدي أباظة، وسعاد حسني، وأمينة رزق، ومحمود مرسي، ليست صورًا محلية فحسب؛ إنها صور أسست خيالًا عربيًا كاملًا عن النجومية والدراما والرومانسية والسلطة والتمرد. وعندما تتعرض هذه الصور لتشويه رقمي أو إعادة إنتاج ضعيفة، فإن الخسارة ليست جمالية فقط، بل تاريخية أيضًا.

لهذا بدا غضب الجمهور من بوستر شادية مفهومًا. فالمسألة لم تكن دفاعًا عن نجمة راحلة فحسب، بل عن حق الذاكرة العامة في أن تُعامل بدقة واحترام. وربما لهذا السبب استجاب المهرجان سريعًا نسبيًا، لأن أي خطأ في التعامل مع رمز بهذا الحجم يتحول فورًا إلى نقاش وطني صغير عن من يملك حق تمثيل الماضي.

هل يمكن أن تتحول الواقعة إلى فرصة حقيقية؟

نعم، لكن بشرط ألا يتوقف الأمر عند حدود «تعديل البوستر». الفرصة الحقيقية تبدأ إذا خرجت من هذه الواقعة أسئلة تنفيذية واضحة: من يملك الأرشيفات الأصلية؟ ما الجهة التي تفهرس صور النجوم والأفيشات؟ هل توجد معايير معلنة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في إعادة تقديم الوجوه التاريخية؟ وهل يمكن أن يخصص مهرجان القاهرة، بالتعاون مع وزارة الثقافة والمركز القومي للسينما ومدينة الإنتاج الإعلامي، برنامجًا دائمًا لترميم الذاكرة البصرية المصاحبة للأفلام، لا الأفلام وحدها؟

مصر لا تبدأ من الصفر. هناك مؤسسات قائمة، ومهرجان بحجم القاهرة يمتلك منصة معنوية وإعلامية كبيرة، وهناك اهتمام متزايد بإعادة عرض الكلاسيكيات المرممة. كما أن التعاون بين المهرجانات والمؤسسات الثقافية ظهر في ملفات أخرى تخص حفظ التراث، بما في ذلك الإعلان عن مشروعات ترميم وتوثيق مرتبطة بأسماء كبيرة في السينما المصرية.

الخلاصة: شادية كانت الشرارة لا القضية كلها

في الظاهر، كانت الحكاية عن صورة شادية على بوستر الدورة 47. لكن في العمق، القضية تخص الطريقة التي ترى بها مصر تراثها السينمائي اليوم: هل تكتفي بالاحتفاء الرمزي، أم تنتقل إلى سياسات حفظ وترميم وتوثيق أكثر انتظامًا؟

إذا حدث ذلك، فسيكون تعديل البوستر لحظة مفيدة لا محرجة فقط. لحظة تقول إن الجمهور ما زال يعرف وجوه نجومه جيدًا، وإن الذاكرة البصرية للسينما المصرية ما زالت حية بما يكفي لتدافع عن نفسها. وفي بلد بدأ فيه الحديث مجددًا عن ترميم الكلاسيكيات، من الطبيعي أن تمتد المطالبة من الشاشة إلى ما يحيط بالشاشة: الصورة، والأفيش، والملصق، والأرشيف، وكل ما صنع شكل الحلم المصري وهو يدخل قاعة السينما.