Egypt Box Office

بعد جلسة ورثة أم كلثوم.. إلى أين يمضي فيلم «الست»؟

تأجيل الدعوى أعاد القضية إلى الواجهة.. لكن السؤال تغيّر

أعادت أزمة فيلم «الست» إلى الواجهة سؤالًا بدا محسومًا قبل أسابيع: هل ما زال النزاع القانوني قادرًا على التأثير في المسار التجاري والجماهيري للفيلم داخل مصر؟ السبب المباشر هو قرار محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة تأجيل الدعوى المقامة من ورثة أم كلثوم لوقف عرض الفيلم في دور السينما وعلى القنوات الفضائية وشبكة الإنترنت وسحب ترخيصه، إلى جلسة 6 أغسطس 2026، بعد ورود رد هيئة قضايا الدولة على المستندات المقدمة من الدفاع.

القضية، كما صيغت في التغطيات القضائية، تستند إلى اعتراض الأسرة على ما اعتبرته إساءات وتشويهًا متعمدًا لسمعة أم كلثوم وسمعة الأجداد. لكن عند النظر إلى وضع الفيلم فعليًا في السوق المصرية، يتضح أن النقاش لم يعد متعلقًا فقط بسؤال: هل يستمر في دور العرض؟ بل أصبح أوسع: كيف تعيد الأزمة القانونية تشكيل صورة الفيلم وحملته وجمهوره بعد انتهاء موجته السينمائية الأساسية؟

هل يواصل «الست» مساره في دور العرض المصرية؟

من الناحية العملية، الإجابة الأقرب إلى الواقع هي أن التأثير على دور العرض لم يعد هو الساحة الرئيسية. بيانات الفيلم على منصة السينما.كوم تشير إلى أن تاريخ عرضه في مصر كان 6 ديسمبر 2025، وأنه حقق في السوق المصرية 29,518,998 جنيهًا، مع استمرار تسجيل إيرادات أسبوعية حتى الأسبوع التاسع من عام 2026، قبل أن تهبط الأرقام إلى مستويات هامشية للغاية.

الأرقام المنشورة لشباك التذاكر توضح هذا المسار بجلاء: بعد انطلاقة قوية نسبيًا في الأسابيع الأولى، تراجع الفيلم تدريجيًا حتى وصل في الأسبوع التاسع من 2026 إلى 1,623 جنيهًا فقط. كما نشرت تغطيات صحفية خلال فبراير 2026 أن الفيلم حقق في إحدى الليالي صفر إيرادات ضمن تراجع عام أصاب بعض الأفلام مع انطلاق موسم مسلسلات رمضان.

بمعنى آخر، حين تأجلت الدعوى إلى 6 أغسطس 2026، لم يكن «الست» في قلب دورته السينمائية الأولى أصلًا. لذا فإن تصور أن القرار سيحسم فورًا بقاءه أو خروجه من شاشات السينما المصرية يبدو أقل دقة من قراءة الواقع التجاري: الفيلم أنجز بالفعل الجزء الأكبر من رحلته في الصالات، وتحوّل مركز ثقله إلى ما بعد السينما.

من شاشة السينما إلى «شاهد».. أين صار ثقل الفيلم الآن؟

التحول الأهم في ملف فيلم الست حدث مع انتقاله إلى العرض الرقمي. فقد أعلنت تغطيات صحفية في أبريل 2026 اقتراب عرضه على منصة «شاهد» بعد انتهاء دورته السينمائية، ثم أكدت تقارير لاحقة في نهاية مايو وبداية يونيو 2026 أن الفيلم تصدر قائمة الأعلى مشاهدة في مصر على المنصة بعد طرحه تزامنًا مع موسم عيد الأضحى.

هذا التطور مهم جدًا لفهم أثر الأزمة القانونية. فحين يكون الفيلم قد خرج فعليًا من مرحلة الاعتماد على التذاكر اليومية داخل السينمات، تصبح سمعته الرقمية، وحجم الفضول الجماهيري حوله، وطريقة تقديمه لجيل لم يعش زمن أم كلثوم، عناصر أكثر حساسية من عدد الشاشات التي كان يعرض عليها.

هنا تبدو المفارقة واضحة: الدعوى رُفعت طلبًا لوقف العرض في السينما والتلفزيون والإنترنت، لكن الزخم الجديد الذي أعاد الفيلم إلى التداول الشعبي جاء أساسًا من الإنترنت والمنصة الرقمية. أي أن الأزمة القانونية انفجرت في توقيت صار فيه النقاش العام حول الفيلم مرتبطًا أكثر بالمشاهدة المنزلية، وبالجدل المتجدد على مواقع التواصل، لا بمنافسته اليومية في شباك التذاكر.

منى زكي في قلب المعادلة.. والأداء لا يزال عنوان الجدل

يبقى اسم منى زكي حاضرًا في صدارة أي حديث عن الفيلم، باعتبارها تجسد شخصية أم كلثوم في واحد من أكثر الأدوار حساسية في السينما المصرية المعاصرة. الفيلم أخرجه مروان حامد وكتبه أحمد مراد، وشارك في بطولته محمد فراج، سيد رجب، أحمد خالد صالح، وتامر نبيل، إلى جانب ظهورات خاصة لعدد من النجوم.

الجدل الذي سبق العرض لم يختفِ بعده؛ بل تبدلت صيغته. في مرحلة الدعاية الأولى، انصبّ جانب كبير من النقاش على الشكل، والماكياج، ومدى ملاءمة اختيار منى زكي للدور. وبعد العرض، انقسمت الآراء بين من رأى العمل محاولة إنتاجية كبيرة تليق بسيرة كوكب الشرق، وبين من اعتبر أن المعالجة الدرامية دخلت مناطق شائكة تخص الحياة الشخصية والرمزية العامة لأم كلثوم دون أن تقنع جميع المتلقين.

هذا يعني أن الأزمة الحالية لا تخلق الجدل من الصفر، لكنها تعيد تأطيره. فبدل أن يكون النقاش نقديًا فقط، صار يحمل بعدًا قانونيًا وأخلاقيًا وتراثيًا: من يملك حق السرد حين تتحول أيقونة بحجم أم كلثوم إلى فيلم جماهيري؟

هل تضرب القضية الحملة الترويجية أم تمنح الفيلم عمرًا أطول؟

في سوق الإعلام والترفيه، ليست كل أزمة خسارة مباشرة. أحيانًا تمنح الأزمة العمل عمرًا نقاشيًا أطول مما كان سيحصل عليه في الظروف الطبيعية. وهذا ما يبدو مرشحًا مع «الست». فالفيلم الذي أنهى تقريبًا مساره التجاري في القاعات، وجد نفسه مجددًا في واجهة الأخبار بسبب الدعوى، لا بسبب إصدار نسخة جديدة أو جولة عروض جديدة.

لكن هذا النوع من الزخم سلاح ذو حدين:

  • من ناحية أولى: قد يزيد الفضول لدى جمهور لم يشاهد الفيلم بعد، خصوصًا على المنصات الرقمية، بدافع معرفة مواضع الاعتراض بأنفسهم.
  • من ناحية ثانية: قد يرسخ لدى قطاع آخر فكرة أن الفيلم دخل في منطقة مساس برمز وطني وثقافي شديد الحساسية، ما يدفع إلى مقاطعته أو التعامل معه بتحفظ.
  • ومن ناحية ثالثة: قد يجبر صنّاع العمل والجهات المالكة للحقوق على تعديل خطابهم الترويجي، بحيث ينتقل من الاحتفاء الملحمي بالسيرة إلى التأكيد على أن الفيلم معالجة درامية لا تدّعي امتلاك الحقيقة الكاملة.

كيف قد يتشكل جمهور الفيلم بعد 6 أغسطس 2026؟

الجمهور هنا ليس كتلة واحدة. هناك على الأقل ثلاث دوائر متابعة واضحة في مصر:

  • جمهور أم كلثوم التقليدي، وهو الأكثر حساسية تجاه أي تفصيل يمس الصورة التاريخية والوجدانية لكوكب الشرق.
  • جمهور منى زكي والسينما التجارية الواسعة، الذي يتعامل مع الفيلم كحدث تمثيلي وإنتاجي كبير بغض النظر عن التطابق الكامل مع السيرة.
  • جمهور المنصات والسوشيال ميديا، الذي ينجذب عادة إلى الأعمال المثيرة للجدل أكثر من انجذابه للأعمال التي تمر بهدوء.

إذا استمرت القضية في جذب التغطية، فالأرجح أن جمهور الفيلم لن ينكمش بقدر ما سيتبدل. قد يقل حضور المتلقي الذي يبحث عن مشاهدة سينمائية باردة ومنفصلة عن السجال، ويزداد حضور المتلقي الذي يدخل الفيلم وهو مسلح بموقف مسبق: إما الدفاع عن العمل بوصفه حرية فنية، أو مهاجمته بوصفه إساءة إلى رمز مصري كبير.

الخلاصة: الأزمة تغيّر المعنى أكثر مما تغيّر الشاشات

السؤال عن استمرار فيلم «الست» في دور العرض المصرية بعد تأجيل جلسة ورثة أم كلثوم إلى 6 أغسطس 2026 يبدو، وفق الوقائع المتاحة، سؤالًا متأخرًا زمنيًا؛ لأن الفيلم قطع بالفعل معظم رحلته السينمائية، وحقق قرابة 29.5 مليون جنيه في مصر، ثم انتقل إلى العرض الرقمي حيث استعاد زخمًا جماهيريًا جديدًا.

لذلك، الأصح أن الأزمة القانونية لا تعيد رسم خريطة الشاشات بقدر ما تعيد رسم معنى الفيلم في المجال العام. فهي قد لا توقف المسار التجاري الذي حدث بالفعل، لكنها قادرة على إعادة تشكيل الحملة والخطاب المحيطين به، وإعادة فرز جمهوره بين من يشاهده كعمل فني عن سيرة استثنائية، ومن يراه ساحة نزاع على الذاكرة والرمز والحق في تمثيل أم كلثوم على الشاشة.

وفي هذا تحديدًا تكمن حساسية اللحظة: «الست» لم يعد مجرد فيلم عن أم كلثوم، بل صار اختبارًا حيًا لعلاقة السينما المصرية بتراثها الأكبر، ولحدود ما يمكن أن يفعله الفن حين يقترب من الأسطورة.