بعد جدل بوستر الدورة 47.. لماذا نستعيد «شيء من الخوف» الآن؟
بعد الجدل على بوستر الدورة 47.. لماذا يبدو «شيء من الخوف» في قلب النقاش السينمائي الآن؟
أعاد البوستر الرسمي للدورة السابعة والأربعين من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، برئاسة حسين فهمي، نقاشًا واسعًا يتجاوز حدود الذائقة البصرية إلى معنى استدعاء التراث نفسه. فالبوستر الذي تصدّرته صورة الفنانة الراحلة شادية في هيئة «فؤادة» من فيلم «شيء من الخوف» أثار موجة اعتراضات بعد الإعلان عنه، قبل أن تقرر إدارة المهرجان إجراء تعديل على صورة شادية مع الإبقاء على الفكرة العامة، على أن تُقام الدورة بين 11 و20 نوفمبر 2026. هذه الاستجابة السريعة لم تُنهِ الجدل بقدر ما دفعت إلى سؤال أهم: لماذا اختير هذا الفيلم تحديدًا بوصفه واجهة رمزية للدورة؟
الوقائع هنا واضحة. إدارة المهرجان أقرت بوجود مشكلة في ملامح صورة شادية بعد مشاهدة البوستر بأحجام كبيرة، وقررت تعديله مع الحفاظ على فكرته الأساسية المرتبطة بالاحتفاء بالسينما المرممة. وفي الوقت نفسه، شرح حسين فهمي أن اختيار شادية في شخصية «فؤادة» يعبّر عن الرغبة في استعادة ذاكرة السينما المصرية والاحتفاء بالأفلام الكلاسيكية التي تخضع للترميم، مؤكدًا أن البوستر يراد له أن يربط بين ماضي السينما ومستقبلها.
ليست أزمة صورة فقط.. بل اختبار لذاكرة المصريين مع شادية
جزء كبير من الاعتراضات لم يكن على مبدأ تكريم شادية، بل على الكيفية. فشادية ليست مجرد نجمة كبيرة في تاريخ السينما المصرية، بل واحدة من أكثر الوجوه رسوخًا في الوجدان العام، ولهذا بدا أيّ مساس بملامحها مسألة حساسة لدى الجمهور. وحين ظهرت الشخصية بملامح اعتبرها كثيرون بعيدة عن صورتها المعروفة، تحوّل التكريم نفسه إلى مادة للنقد، خصوصًا مع الإشارة إلى استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في المعالجة البصرية.
هذا التوتر مفهوم في السياق المصري؛ لأن شادية ليست رمزًا فنيًا مجردًا، بل اسمًا مرتبطًا بأفلام وأغانٍ ومواقف صارت جزءًا من الذاكرة الشعبية. ومن هنا، فإن تعديل البوستر لا يبدو تراجعًا عن الفكرة، بل محاولة لإنقاذها: تكريم شادية ينجح فقط إذا جاءت الصورة وفيّة لهيبتها الفنية، لا إذا بدت نسخة بصرية مرتبكة مهما كانت النية احتفائية.
لماذا «شيء من الخوف» بالذات؟
الإجابة تبدأ من الفيلم نفسه. «شيء من الخوف» من إخراج حسين كمال، ومبني على قصة ثروت أباظة، وعُرض عام 1969. وتقدمه منصة مهرجان القاهرة السينمائي ضمن أرشيفها بوصفه فيلمًا مصريًا تدور أحداثه في قرية ريفية يهدد فيها عتريس أهل القرية، بينما تقوم فؤادة، الفتاة التي يحبها، بفعل تحدٍّ علني يضع علاقتهما على المحك. كما تذكر مواد المهرجان وبيانات الفيلم أسماء أبطاله الأساسيين: شادية ومحمود مرسي ومحمد توفيق ويحيى شاهين وآمال زايد ومحمود ياسين.
الأهم من الحبكة أن «فؤادة» ليست شخصية رومانسية عابرة. هي، في القراءة المصرية الراسخة للفيلم، رمز للمواجهة الأخلاقية في وجه الخوف الجماعي. مشهد فتح الهويس، وتمسّكها برفض زواج لا تعترف به، ثم تحوّل موقفها الفردي إلى كسر لصمت القرية، كلها عناصر جعلت الفيلم يتجاوز زمن إنتاجه إلى مكانة خاصة في تاريخ السينما المصرية.
فؤادة كرمز بصري للدورة 47
إذا كانت الدورة 47 تريد الاحتفاء بالترميم والذاكرة، فاختيار «فؤادة» ليس اعتباطيًا. فالشخصية تختصر عدة مستويات في لقطة واحدة: نجمة مصرية أيقونية، فيلم كلاسيكي حاضر في الوعي العام، وبطلة نسائية مرتبطة بفكرة التحدي. لهذا بدا الاختيار ذكيًا من حيث المبدأ. لكنه في الوقت نفسه رفع سقف التوقعات: حين تختار شادية، فأنت لا تقدّم مجرد صورة أرشيفية، بل تستدعي رمزًا يعرفه المصريون جيدًا ويستطيعون تمييز أي خلل في ملامحه فورًا.
ومن زاوية أخرى، فإن رمزية «فؤادة» تناسب سردية مهرجان يقترب من مرور 50 عامًا على تأسيسه، وفق ما جرى التأكيد عليه خلال المؤتمر الصحفي. فالفكرة هنا ليست nostalgia عابرة، بل محاولة لربط الأجيال الجديدة بأعمال صنعت الوعي البصري والدرامي المصري، ثم إعادة تقديمها في مناخ معاصر عبر الترميم والعروض الجديدة.
هل يدفع الجدل فعلًا إلى إعادة قراءة الفيلم؟
في تقديري، نعم. بل ربما يكون هذا هو المكسب الثقافي الحقيقي من الأزمة. لأن النقاش لم يتوقف عند سؤال: هل البوستر جيد أم لا؟ بل امتد إلى سؤال أوسع: لماذا ما زال «شيء من الخوف» صالحًا للاستدعاء في 2026؟
إعادة قراءة الفيلم اليوم تكشف عدة أمور. أولًا، أنه مثال قوي على التقاء الأدب بالسينما؛ فالقصة الأصلية لثروت أباظة انتقلت إلى الشاشة في معالجة جعلت الصورة والموسيقى والحوار أدوات متكاملة لبناء التوتر. ثانيًا، أن الفيلم يقدّم واحدة من أبرز شخصيات شادية التمثيلية، بعيدًا عن الصورة الخفيفة التي التصقت بها في مراحل أخرى من مشوارها. وثالثًا، أن الفيلم يحتفظ بقدرة نادرة على مخاطبة جمهور جديد، لأن فكرته المركزية عن كسر الخوف لا تزال مفهومة وحية.
ولا ينبغي تجاهل أن الفيلم حاضر أيضًا داخل برمجة مهرجان القاهرة نفسها؛ إذ تُظهر صفحة الفيلم على موقع المهرجان موعد عرض له يوم السبت 15 نوفمبر من 9:00 إلى 11:00 مساءً في سينما الهناجر بدار الأوبرا. هذا يعني أن استدعاء «شيء من الخوف» ليس مجرد استعارة بصرية على البوستر، بل جزء من تصور برامجي يرى في الكلاسيكيات المصرية مادة حية للعرض والمشاهدة من جديد.
بين الذكاء الاصطناعي والترميم.. أين يقف الخط الفاصل؟
أحد أبرز الدروس التي كشفتها أزمة البوستر أن الجمهور المصري يفرّق جيدًا بين الترميم وإعادة التوليد. الترميم، في الوعي العام، يعني استعادة الأصل وتحسين ظهوره من دون المساس بجوهره. أما حين تتدخل المعالجة الرقمية إلى حد تغيير الملامح، فإن الأمر يبدو كأنه ينتج صورة جديدة لا تستند إلى الأصل إلا اسميًا. ولهذا جاء الاعتراض على بوستر شادية قويًا: لأن ما كان يفترض أن يكون تحية للذاكرة بدا، لدى البعض، ابتعادًا عنها.
في هذا السياق، يصبح تعديل البوستر خطوة مهمة، ليس فقط لمعالجة خطأ بصري، بل لإعادة تثبيت المعنى الذي حاولت الدورة طرحه منذ البداية: الوفاء للأصل. وهي فكرة تنطبق على الملصق كما تنطبق على الأفلام المرممة نفسها.
قبل انطلاق المهرجان.. لماذا يستحق الفيلم مشاهدة جديدة؟
العودة إلى «شيء من الخوف» قبل انطلاق مهرجان القاهرة السينمائي ليست تمرينًا على الحنين، بل فرصة لمراجعة أحد الأفلام التي صاغت جزءًا من لغة السينما المصرية. من يشاهد الفيلم الآن لن يتوقف فقط أمام أداء شادية، بل أيضًا أمام حضور محمود مرسي، وصلابة يحيى شاهين، وطريقة بناء القرية بوصفها فضاءً للخوف والمقاومة معًا، فضلًا عن بصمة حسين كمال الإخراجية التي منحت العمل كثافة درامية لا تزال مؤثرة.
ربما لهذا السبب بالذات لم يكن الجدل على البوستر تفصيلًا هامشيًا. فحين تكون الصورة المختارة هي شادية في «شيء من الخوف»، يصبح أي نقاش حولها نقاشًا حول معنى التراث السينمائي المصري كله: كيف نكرّم رموزه؟ كيف نعرضها للأجيال الجديدة؟ وكيف نوازن بين أدوات العصر وصورة النجوم المحفورة في الذاكرة؟
حتى الآن، يبدو أن الدورة 47 كسبت شيئًا مهمًا رغم الأزمة: لقد أعادت «شيء من الخوف» إلى الواجهة قبل أسابيع من الافتتاح. وإذا أحسن المهرجان استثمار هذه اللحظة، فقد يتحول الجدل من أزمة بوستر إلى دعوة جادة لإعادة اكتشاف واحد من أهم أفلام السينما المصرية.
- موعد المهرجان: من 11 إلى 20 نوفمبر 2026.
- سبب الجدل: صورة شادية في البوستر الرسمي ظهرت بملامح أثارت انتقادات واسعة.
- قرار الإدارة: تعديل صورة شادية مع الإبقاء على فكرة البوستر.
- الفيلم المستعاد: «شيء من الخوف» (1969) إخراج حسين كمال.
- دلالة الاختيار: فؤادة بوصفها رمزًا للذاكرة والمقاومة في السينما المصرية.