Egypt Box Office

بعد تكريمه في القاهرة 2026.. كيف صنع سعيد شيمي ذاكرة الصورة المصرية؟

تكريم جديد يعيد فتح ملف واحد من أهم صنّاع الصورة في مصر

عاد اسم مدير التصوير الكبير سعيد شيمي إلى صدارة المشهد الثقافي والسينمائي في مصر بعد إعلان مهرجان القاهرة السينمائي الدولي منحه جائزة الهرم الذهبي لإنجاز العمر في دورته السابعة والأربعين، المقررة بين 11 و20 نوفمبر 2026. وجاء الإعلان ضمن استعدادات دورة تحمل دلالة خاصة، لأنها تتزامن مع مرور 50 عامًا على انطلاق المهرجان عام 1976. وفي البيانات المنشورة حول التكريم، جرى التأكيد على أن شيمي أسهم عبر أكثر من 100 فيلم روائي طويل في تشكيل ملامح الصورة في السينما المصرية، وأنه كان من أوائل من نقلوا الكاميرا إلى الشارع والواقع، بل وأول من صوّر تحت الماء في العالم العربي.

أهمية هذا التكريم لا تتوقف عند الاحتفاء بمسيرة طويلة، بل تفتح أيضًا بابًا ضروريًا لإعادة قراءة ما فعله سعيد شيمي داخل أفلام تحوّلت مع الزمن إلى كلاسيكيات. ففي سينما مصر، هناك مديرو تصوير كبار صنعوا الجمال، لكن شيمي كان من القلائل الذين صنعوا أسلوبًا بصريًا يمكن تمييزه: صورة مشغولة بدقة، لكنها غير متعالية؛ واقعية، لكنها مشحونة بالدراما؛ وقريبة من الناس، من دون أن تفقد حسّها السينمائي.

من عابدين إلى معهد السينما.. تكوين مهني صلب

بحسب البيانات المنشورة عنه، وُلد سعيد شيمي في القاهرة عام 1943، وترك دراسة الآداب ليلتحق بالمعهد العالي للسينما، ثم حصل على دبلومه عام 1971. هذا التكوين الأكاديمي، إلى جانب عمله المبكر في تصوير أفلام لجمعية الفيلم بالقاهرة، منحه خلفية تقنية وثقافية واسعة، انعكست لاحقًا في أعماله مع جيل من المخرجين الذين غيّروا ملامح السينما المصرية، بينهم محمد خان وعاطف الطيب وعلي عبد الخالق.

وعندما نتأمل مسيرته، نجد أن حضوره لم يكن مجرد حضور مهني خلف الكاميرا، بل حضور مؤسس لفكرة أن مدير التصوير شريك كامل في بناء المعنى. لذلك لم يكن غريبًا أن يظل اسمه حاضرًا كلما جرى الحديث عن أفلام مثل «ضربة شمس» و«سواق الأتوبيس» و«الحب فوق هضبة الهرم» و«الطريق إلى إيلات».

«ضربة شمس».. حين صارت القاهرة بطلة بصرية

في «ضربة شمس» (1980)، الذي أخرجه محمد خان وتولى سعيد شيمي تصويره، ظهرت ملامح مشروع بصري مختلف داخل السينما المصرية. الفيلم نفسه يدور حول مصور صحفي يجد نفسه داخل شبكة من الأسرار والجريمة، لكن ما منح العمل روحه الخاصة لم يكن الحبكة وحدها، بل الطريقة التي صُورت بها المدينة. هنا لم تعد القاهرة خلفية محايدة، بل صارت كيانًا حيًا: شوارع، زحام، انتقالات، وأماكن تحمل توترًا دائمًا.

هذا الحس المديني كان جزءًا أساسيًا من لغة شيمي. الكاميرا عنده لا تتعامل مع الشارع كديكور، بل كمساحة درامية تتنفس داخلها الشخصيات. لذلك اكتسب «ضربة شمس» مكانته ليس فقط كفيلم مهم في مسيرة محمد خان، بل أيضًا كعلامة مبكرة على كيف يمكن للصورة أن تنقل نبض المدينة المصرية الحديثة من دون افتعال.

ولم يمر هذا الإنجاز بلا تقدير؛ إذ تشير وثائق سينمائية منشورة إلى فوز سعيد شيمي بـجائزة التصوير الذهبية من جمعية كتاب ونقاد السينما عن «ضربة شمس». وهي إشارة مهمة لأن الفيلم يكشف مبكرًا أحد مفاتيح شيمي الأساسية: القدرة على تحويل الواقع اليومي إلى صورة مشحونة بالإيقاع والقلق والمعنى.

«سواق الأتوبيس».. واقعية صارمة بلا برود

إذا كان «ضربة شمس» قد قدّم المدينة بوصفها فضاءً للغموض والمطاردة، فإن «سواق الأتوبيس» (1982) للمخرج عاطف الطيب قدّم وجهًا آخر لا يقل قوة: المدينة بوصفها مكانًا للضغط الاجتماعي والانكسار الإنساني. الفيلم من بطولة نور الشريف، ويُعد من أهم أفلام الواقعية المصرية، وكان سعيد شيمي مدير تصويره.

ما يلفت هنا هو أن شيمي لم يطارد الاستعراض البصري. على العكس، جاءت الصورة حادة، مقتصدة، ومتصلة مباشرة بمأزق البطل. الإضاءة، وزوايا الكاميرا، وطبيعة اللقطات داخل الورشة والشارع ووسائل النقل، كل ذلك أسهم في ترسيخ الإحساس بأن المشاهد يرى مصر التي يعرفها: طبقة وسطى تتآكل، ومساحات عامة تضيق، وأبطالًا عاديين يحملون أوزانًا أكبر من طاقتهم.

هذه ليست واقعية تسجيلية باردة، بل واقعية سينمائية تعرف متى تقترب من الوجه، ومتى تفسح المجال للمكان كي يتكلم. هنا تظهر براعة شيمي في تحقيق التوازن بين الصدق الاجتماعي والتركيب الجمالي.

«الحب فوق هضبة الهرم».. الصورة كمرآة لأزمة جيل

في «الحب فوق هضبة الهرم» (1986)، المقتبس عن نص لنجيب محفوظ، وبتوقيع عاطف الطيب أيضًا، نجد سعيد شيمي أمام تحدٍ من نوع آخر: كيف تتحول أزمة السكن والاختناق الاجتماعي إلى صورة؟ الفيلم، الذي قام ببطولته أحمد زكي وآثار الحكيم، لم يعتمد على خطاب مباشر، بل على مناخ بصري يضاعف الإحساس بالحصار.

الصورة هنا ليست مزدحمة بلا سبب، وليست جميلة على نحو منفصل عن الموضوع. بالعكس، تبدو القاهرة في الفيلم أقل اتساعًا مما ينبغي، وأكثر قسوة مما تحتمل الأحلام الصغيرة لشخصياته. وهذا أحد أسرار شيمي: أنه لم يكن يلتقط المكان كما هو فقط، بل كما يشعر به الإنسان داخله. لذلك جاءت لقطات الهضبة، والفراغات الطرفية، وأماكن الاختباء العاطفي، وكأنها امتداد بصري لاختناق اجتماعي يخص جيلًا كاملًا.

«الطريق إلى إيلات».. الانضباط البصري في فيلم وطني

عندما نصل إلى «الطريق إلى إيلات»، أحد أشهر أفلام التسعينيات المصرية، نكون أمام نموذج مختلف تمامًا من التحديات. الفيلم الذي أخرجته إنعام محمد علي وصوّره سعيد شيمي، استند إلى واحدة من أشهر العمليات الفدائية في التاريخ العسكري المصري، ما يعني أن الصورة هنا مطالبة بأن تجمع بين الطابع الوطني والوضوح الدرامي والانضباط التقني.

هنا تتجلى خبرة شيمي في بناء مشاهد الحركة والبحر والاقتحام من دون أن يفقد البعد الإنساني للشخصيات. ولم يكن الأمر منفصلًا عن خبرته الخاصة في التصوير تحت الماء؛ فشيمي نفسه تحدث في أكثر من مناسبة عن شغفه بهذا النوع من التصوير، وعن تطويره أدوات خاصة مكّنته من إنجاز مشاهد بحرية وتحت الماء في وقت لم تكن فيه هذه الإمكانات متاحة بسهولة في السوق المصرية.

لهذا يبدو «الطريق إلى إيلات» امتدادًا طبيعيًا لمسيرته، لا مجرد محطة ناجحة. فالفيلم يبرهن على أن مدير التصوير نفسه القادر على التقاط الشارع الشعبي في «سواق الأتوبيس» هو أيضًا القادر على إدارة صورة فيلم حربي وطني واسع النطاق، من دون أن يضحي بالدقة أو التأثير.

ما الذي ميّز سعيد شيمي فعلًا؟

1) نقل الكاميرا إلى قلب الواقع

في شهادات التكريم الأخيرة، تكرر التأكيد على أن سعيد شيمي صوّر السينما المصرية في شوارعها بكاميرا محمولة. هذه العبارة تختصر كثيرًا من أثره؛ لأنه كان جزءًا من انتقال مهم في شكل الصورة المصرية من الاستديو المغلق إلى المجال العام.

2) الجمع بين التقنية والحس الشعبي

شيمي ليس من المصورين الذين يفتنون بالتقنية لذاتها. تقنيته موجودة، بل رفيعة، لكنها دائمًا في خدمة الحكاية والشخصية. ولذلك بقيت أفلامه قريبة من الجمهور، حتى حين كانت شديدة العناية بصريًا.

3) توسيع حدود الممكن

المعلومات المنشورة عنه تؤكد أنه كان أول من صوّر تحت الماء في العالم العربي، وأنه طوّر أدواته بنفسه للوصول إلى هذه النتائج. هذا الجانب يكشف شخصية لا تكتفي بالتنفيذ، بل تبحث وتجرّب وتدفع المهنة نفسها إلى الأمام.

تكريم مستحق في توقيت دال

إعلان تكريم سعيد شيمي في الدورة 47 من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي لا يبدو مجرد رد اعتبار متأخر، بل اعتراف واضح بأن تاريخ السينما لا يكتبه المخرجون والنجوم وحدهم. فهناك رجال ونساء صنعوا الذاكرة البصرية للمشاهد المصري من خلف الكاميرا، وسعيد شيمي يأتي في مقدمتهم.

في زمن يتغير فيه شكل الصورة بسرعة، يبقى الرجوع إلى أعمال شيمي تذكيرًا مهمًا بأن قوة الصورة لا تأتي فقط من التكنولوجيا، بل من النظرة: كيف ترى الشارع، وكيف ترى الوجوه، وكيف تجعل المكان يقول ما تعجز الشخصيات أحيانًا عن قوله. ومن «ضربة شمس» إلى «الطريق إلى إيلات»، مرورًا بـ«سواق الأتوبيس» و«الحب فوق هضبة الهرم»، تبدو بصمته واضحة: لقد أعاد تشكيل الصورة في السينما المصرية، وجعلها أكثر قربًا من الناس، وأكثر صدقًا، وأكثر بقاءً.