بعد تصريحات حسين فهمي.. ماذا تعني قرارات «القاهرة السينمائي» للدورة 47؟
الدورة 47 بين الحسم الفني واستعادة الذاكرة
جاءت تصريحات الفنان حسين فهمي، رئيس مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، لتضع ملامح أوضح للدورة السابعة والأربعين، المقرر انطلاقها من 11 إلى 20 نوفمبر 2026. الجديد هذه المرة لا يقتصر على تفاصيل تنظيمية أو اختيارات برمجية، بل يمتد إلى إعلان موقف صريح من أفلام الذكاء الاصطناعي، بالتوازي مع تأكيد استمرار مشروع ترميم 23 فيلمًا مصريًا ضمن أرشيف تملكه الشركة القابضة للسينما. هذه الثنائية تكشف كيف يحاول المهرجان رسم خط فاصل بين ما يعتبره صناعة سينمائية مكتملة الشروط، وبين أدوات تقنية ما زال الجدل قائمًا حول موقعها من الفن السابع.
وبحسب ما قاله فهمي في لقاء صحفي نقلته وسائل إعلام مصرية عدة، فإن المهرجان لن يدرج أفلامًا مصنوعة بالذكاء الاصطناعي ضمن برامج الدورة المقبلة، معتبرًا أن هذا النوع من الأعمال مرفوض في المهرجانات الدولية المصنفة مثل كان وفينيسيا والقاهرة السينمائي. وفي الوقت نفسه، كشف أنه جرى الانتهاء من ترميم 23 فيلمًا من أصل نحو 130 فيلمًا مصريًا تمتلكها الشركة القابضة للسينما، من بينها «شفيقة القبطية» و«معبودة الجماهير»، مع دخول 4 أفلام جديدة مرحلة الترميم.
لماذا يرفض المهرجان أفلام الذكاء الاصطناعي؟
موقف حسين فهمي ليس مجرد رأي عابر، بل رسالة برمجية وثقافية في توقيت حساس. فمع توسع استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في الكتابة والتوليد البصري والصوتي، باتت المهرجانات الكبرى أمام سؤال أساسي: هل ما يُنتَج بهذه الأدوات يُعامل كفيلم بالمعنى الإبداعي الكامل، أم كمنتج تقني يحتاج معايير مختلفة؟
من زاوية مهرجان القاهرة، يبدو أن الإجابة الحالية تميل إلى حماية مفهوم العمل السينمائي القائم على الرؤية البشرية، سواء في الإخراج أو الأداء أو الكتابة أو التصميم البصري. هذا لا يعني بالضرورة إنكار دور التكنولوجيا في الصناعة، لكنه يعني رفض تحويلها إلى بديل كامل عن العناصر التي تقوم عليها السينما كممارسة فنية جماعية. بالنسبة لجمهور مصر، فإن هذا القرار مهم لأنه يمنح الدورة 47 هوية أكثر وضوحًا: المهرجان لا يريد ملاحقة الضجيج التقني، بل يريد الحفاظ على معايير مرتبطة بتاريخ المهرجان ومكانته الدولية.
كما أن هذا التوجه يحد من خطر الالتباس بين الأفلام التي تستخدم أدوات رقمية مساعدة وبين أعمال تُنتَج بالكامل تقريبًا بالذكاء الاصطناعي. والنتيجة المتوقعة داخل البرنامج هي ترجيح الاختيارات التي تحتفي بالصنعة السينمائية التقليدية والمعاصرة معًا، من دون فتح الباب لأعمال قد تثير جدلًا أكبر من قيمتها الفنية.
كيف ينعكس القرار على برنامج الدورة 47؟
عندما يعلن رئيس المهرجان مبكرًا أن نوعًا محددًا من الأعمال خارج الحسابات، فإن ذلك ينعكس مباشرة على طريقة بناء الأقسام المختلفة. عمليًا، يعني هذا أن الدورة 47 ستتحرك في اتجاه أكثر محافظة من حيث تعريف الفيلم المقبول داخل مسابقاتها وعروضها الرسمية، وهو ما قد يؤثر على:
- معايير الاختيار: منح أولوية للأفلام الروائية والتسجيلية والتحريكية التي تحمل بصمة صناعها المباشرة.
- نقاشات الصناعة: تحويل الجدل من سؤال “هل نقبل أفلام AI؟” إلى سؤال “كيف نستخدم التقنية من دون إلغاء المؤلف والممثل والحرفة؟”.
- هوية المهرجان: ترسيخ صورة القاهرة السينمائي كمهرجان يوازن بين الانفتاح على التطور والتمسك بقواعد الاعتراف الدولي.
واللافت أن فهمي أشار أيضًا إلى أن تأجيل مهرجان البحر الأحمر لم يغير جذريًا خريطة اختيارات القاهرة، موضحًا أن إدارة المهرجان لم تستفد سوى من 3 أفلام بعد اكتمال جانب كبير من التحضيرات. هذه الإشارة تؤكد أن برنامج الدورة 47 بات في مرحلة متقدمة من التشكيل، وأن القرارات المعلنة الآن ليست شعارات، بل جزء من سياسة تنفيذية واضحة.
ترميم 23 فيلمًا: الرسالة الأعمق في تصريحات حسين فهمي
إذا كان رفض أفلام الذكاء الاصطناعي يعبّر عن حماية الحاضر المهني للسينما، فإن مشروع الترميم يعبّر عن حماية ماضيها المادي والرمزي. وهنا تكمن المفارقة الجميلة في تصريحات حسين فهمي: في اللحظة نفسها التي يرفض فيها استبدال الإنسان بالآلة في إنتاج الفيلم، يؤكد ضرورة إنقاذ الأفلام التي صنعها المصريون بالفعل قبل عقود.
الأرقام هنا لافتة؛ فبحسب تصريحاته، تمتلك الشركة القابضة للسينما نحو 130 فيلمًا أنتجتها منذ ستينيات القرن الماضي، وقد جرى بالفعل ترميم 23 فيلمًا حتى الآن. ومن بين أحدث الأعمال التي أُنجز ترميمها «شفيقة القبطية» و«معبودة الجماهير». هذه ليست مجرد عناوين قديمة، بل مفاتيح لفهم تاريخ النجومية والإنتاج والذائقة العامة في مصر، كما أنها تمثل جزءًا من الذاكرة الثقافية التي تتجاوز حدود الترفيه.
في بلد مثل مصر، حيث تشكل السينما أحد أهم عناصر القوة الناعمة عربيًا، يصبح الترميم أكثر من عمل تقني. إنه استثمار في الهوية، وفي حق الأجيال الجديدة في مشاهدة كلاسيكياتها بجودة تليق بها، بدل بقائها حبيسة نسخ تالفة أو عرض تلفزيوني ضعيف. ولهذا فإن أي حضور لهذه الأفلام المرممة داخل فعاليات الدورة 47، سواء في عروض خاصة أو نقاشات أو مواد أرشيفية، سيضيف للمهرجان بعدًا يتجاوز المنافسة السنوية على الجوائز.
بين دار الأوبرا وهوية المهرجان الجديدة
تصريحات فهمي تضمنت أيضًا الحديث عن المقر الجديد للمهرجان في دار الأوبرا المصرية، مشيرًا إلى أنه أصبح مقرًا دائمًا بقرار من وزير الثقافة. هذا التفصيل يبدو تنظيميًا في ظاهره، لكنه يرتبط فعليًا بصورة الدورة 47: مهرجان يريد أن يبدو أكثر رسوخًا، وأكثر ارتباطًا بالمؤسسات الثقافية الرسمية، وأكثر قدرة على الجمع بين الحدث الدولي والخصوصية المصرية.
وجود المهرجان في فضاء مثل دار الأوبرا يمنح عروض الأفلام المرممة قيمة رمزية إضافية؛ إذ تنتقل الكلاسيكيات المصرية من خانة “الأرشيف” إلى خانة “الاحتفاء العام”. كما أنه يمنح النقاش حول السينما والذكاء الاصطناعي إطارًا ثقافيًا أوسع، لا يختزل المسألة في الموضة التقنية، بل يربطها بسؤال: أي سينما نريد أن نمثل بها مصر أمام العالم؟
حسين فهمي في قلب المعادلة
بصفته رئيسًا للمهرجان وعضوًا في مجلس إدارة الشركة القابضة للسينما، يتحرك حسين فهمي في مسارين متوازيين: مسار يتعلق بصورة مهرجان القاهرة السينمائي دوليًا، ومسار يتعلق بإنقاذ جزء من التراث السينمائي محليًا. هذا الجمع بين الدورين يفسر لماذا بدت تصريحاته الأخيرة مترابطة لا متفرقة. فالرجل لا يتحدث فقط عن أفلام تُقبل وأخرى تُرفض، بل عن فلسفة كاملة لإدارة المهرجان: صون المكانة الدولية من جهة، وصون الذاكرة المصرية من جهة أخرى.
ولهذا يبقى فهمي، الذي يترأس المهرجان في دورته الجديدة، الشخصية الأكثر حضورًا في هذا النقاش، سواء كفنان أو كإداري ثقافي. وفي التغطيات الأخيرة ظهر بوصفه المتحدث الأول عن ملامح الدورة 47، من البرنامج إلى الترميم إلى العلاقات الدولية للمهرجان، وهو ما يجعل اسمه مرتبطًا مباشرة بهذه المرحلة الانتقالية.
ماذا تكسب السينما المصرية من هذا التوجه؟
المكسب الأول هو وضوح المعايير. فالمهرجانات التي تتردد في تعريف ما تقبله وما ترفضه تفقد جزءًا من شخصيتها. أما المكسب الثاني فهو إعادة الاعتبار للأرشيف، ليس باعتباره ماضيًا منتهيًا، بل مادة حية يمكن أن تعود إلى الشاشة وتدخل في حوار مع الحاضر. والمكسب الثالث هو حماية القيمة الإبداعية للعمل البشري في لحظة عالمية يزداد فيها القلق من تغول الأدوات التوليدية على الفنون.
من هنا يمكن قراءة الدورة 47 لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي باعتبارها دورة اختبار حقيقي: هل ينجح المهرجان في تحويل موقفه من أفلام الذكاء الاصطناعي إلى فرصة لتعزيز هويته الفنية؟ وهل يستطيع استثمار مشروع ترميم الأفلام في تعميق علاقة الجمهور المصري بتراثه؟ المؤشرات الأولى تقول إن الإجابة قد تكون نعم، خاصة إذا تحولت الأفلام المرممة إلى عنصر مرئي حاضر في البرنامج، لا مجرد رقم يُعلن في مؤتمر صحفي.
في النهاية، تبدو الرسالة الأهم من تصريحات حسين فهمي واضحة: مستقبل السينما المصرية لا يُحمى فقط بمتابعة الجديد، بل أيضًا بإنقاذ القديم، وبالدفاع عن المعنى الإنساني للفيلم نفسه. وبين رفض أفلام الذكاء الاصطناعي وترميم 23 فيلمًا مصريًا، تكتب الدورة 47 ملامحها مبكرًا كدورة تدافع عن الحرفة، والذاكرة، وصورة القاهرة السينمائية أمام جمهورها في مصر وخارجها.