Egypt Box Office

بعد ترشيح «القصص» للأوسكار 2027.. هل تستعيد مصر بريقها؟

ترشيح «القصص» يضع مصر مبكرًا في سباق الأوسكار 2027

دخلت السينما المصرية رسميًا سباق أوسكار أفضل فيلم دولي 2027 بعد اختيار فيلم «القصص» للمخرج والمؤلف أبو بكر شوقي لتمثيل مصر في الدورة الـ99 من جوائز الأوسكار، وفق ما نشرته صحف مصرية منها المصري اليوم والشروق استنادًا إلى إعلان اللجنة المصرية المختصة التابعة لنقابة المهن السينمائية. ويأتي الاختيار في لحظة مهمة لصناعة تبحث منذ سنوات عن عودة أكثر انتظامًا إلى خريطة الجوائز الكبرى، لا بوصفها مشاركة رمزية، بل كمشروع قادر على المنافسة فعليًا.

أهمية هذا الترشيح لا تتعلق فقط باسم الفيلم، بل بالتركيبة التي يقودها: مخرج يملك تاريخًا مهرجانيًا معترفًا به دوليًا، وممثلة لها ثقل جماهيري ونقدي في مصر، وممثل صاعد رسخ لنفسه حضورًا عابرًا للحدود. لهذا يبدو السؤال مشروعًا: هل يصبح «القصص» أكثر من مجرد ممثل رسمي لمصر، ويغدو نقطة تحول في طريقة تموضع السينما المصرية عالميًا؟

لماذا يُنظر إلى «القصص» كاختيار مختلف؟

بحسب البيانات المنشورة عن الفيلم، فإن «القصص» من تأليف وإخراج أبو بكر شوقي، وصُوِّر بين القاهرة وفيينا، ويضم في بطولته نيللي كريم وأمير المصري وفاليري باشنر وأحمد كمال وكريم قاسم وصبري فواز وشريف الدسوقي وعمرو عابد وآخرين. كما تدور قصته حول عازف بيانو مصري شاب يخطط للسفر إلى فيينا بعد مراسلات مع صديقة نمساوية، على خلفية الاضطرابات السياسية والاجتماعية في مصر بين 1967 و1984.

هذه الخلفية الزمنية ليست تفصيلة شكلية، بل تمنح الفيلم ميزة واضحة في سباق الجوائز: عمل مصري الجذور، لكنه يتعامل مع التاريخ الخاص والعام في آن واحد، ويطرح حكاية محلية بلغة إنسانية قابلة للفهم خارج الحدود. كذلك فإن تعدد اللغات داخل الفيلم، وامتداد الأحداث بين مصر وأوروبا، يمنحانه مساحة أوسع للتواصل مع جمهور ولجان مشاهدة دولية من دون أن يفقد هويته المصرية.

أبو بكر شوقي.. مخرج يعرف الطريق إلى المنصات الدولية

الرهان الأكبر في «القصص» يبدأ من اسم أبو بكر شوقي. فالمخرج المصري كان قد لفت الانتباه عالميًا مع فيلم «يوم الدين» الذي شارك في المسابقة الرسمية لمهرجان كان 2018، وهي محطة نادرة في تاريخ الحضور المصري الحديث داخل المسابقة الأهم في المهرجان. هذا السجل يمنح «القصص» أفضلية أولية: صانع الفيلم ليس اسمًا جديدًا على دوائر البرمجة والنقاد والمهرجانات، بل مخرج يملك بالفعل بطاقة تعريف دولية محترمة.

وتكشف تصريحات شوقي المنشورة في صحف مصرية أن مشروع «القصص» استغرق سنوات من التطوير، وأن فكرته بدأت منذ 2019، مع استلهام جانب من قصة عائلته، خاصة علاقة والده المصري بوالدته النمساوية عبر الرسائل في السبعينيات. هذا البعد الشخصي مهم جدًا؛ لأن كثيرًا من الأفلام التي تتقدم في سباقات الجوائز الكبرى لا تكسب فقط بحرفية الصنع، بل أيضًا بصدق النبرة وخصوصية الرؤية.

بمعنى آخر، شوقي لا يقدم فيلمًا “مصنوعًا للأوسكار” بالمعنى الدعائي السطحي، بل فيلمًا يحمل مشروعًا مؤلفًا واضحًا، وهذه ميزة عادة ما ترفع فرص التلقي الجيد في المهرجانات والجوائز معًا.

نيللي كريم.. ثقل تمثيلي يضيف للفيلم شرعية جماهيرية ونقدية

وجود نيللي كريم في قلب «القصص» ليس مجرد عنصر نجومي. نيللي كريم (@nellykarimofficial على إنستغرام) من الأسماء القليلة في السينما والدراما المصرية التي نجحت في الجمع بين الحضور الجماهيري والرهان الفني، ولهذا فإن مشاركتها تمنح الفيلم وزنًا مضاعفًا داخل مصر وخارجها.

بحسب المعلومات المتاحة عن العمل، تؤدي نيللي كريم شخصية «فيروز»، وهي الأم داخل العائلة التي يدور حولها جانب أساسي من الفيلم. هذا النوع من الأدوار المركبة يناسب المسار الذي بنتْه نيللي خلال السنوات الماضية، خصوصًا في الأعمال التي تعتمد على الأداء الداخلي أكثر من الاستعراض. كما أن وجودها في مشروع يقوده أبو بكر شوقي يخلق توازنًا مهمًا بين الحس الفني للمخرج والقدرة على الوصول إلى جمهور أوسع.

بالنسبة للسينما المصرية، هذه النقطة حاسمة. فالأفلام التي ترغب في عبور محلي ودولي في الوقت نفسه تحتاج إلى وجه معروف قادر على سحب الانتباه الإعلامي، من دون أن يتحول الفيلم إلى منتج تجاري خالص. ونيللي كريم تحقق هذه المعادلة بدرجة كبيرة.

أمير المصري.. الجسر الأكثر وضوحًا بين القاهرة والساحة الدولية

إذا كان أبو بكر شوقي يمنح «القصص» شرعية المهرجانات، فإن أمير المصري يمنحه أيضًا ميزة العبور الدولي على مستوى التمثيل. أمير المصري (@amirelmasryofficial على إنستغرام) راكم خلال السنوات الأخيرة حضورًا لافتًا في إنتاجات بريطانية ودولية، كما ارتبط اسمه بفيلم «Limbo» الذي حصد عنه إشادة واسعة، ووُصف في مواد رسمية بأنه ممثل مرشح لجوائز بريطانية مستقلة، مع اعتراف نقدي واضح بأدائه.

في «القصص» يجسد أمير شخصية «أحمد»، عازف البيانو الشاب الذي يحمل الحلم المركزي للفيلم. وهذه الشخصية تبدو مناسبة تمامًا لطاقته كممثل: حساسية عالية، قدرة على التعبير الهادئ، وحضور يمكن أن يشتبك مع السرد التاريخي والعاطفي معًا. والأهم أن أمير، بحكم مسيرته الأخيرة، أصبح اسمًا مفهومًا لدى دوائر نقدية ومشاهِدة خارج المنطقة العربية، وهو ما يفيد أي حملة دولية للفيلم لاحقًا.

من المهرجانات إلى الأوسكار.. ماذا يقول مسار الفيلم؟

اللافت أن «القصص» لم يصل إلى الترشيح المصري من فراغ. تقارير صحفية مصرية وعربية أشارت إلى أن الفيلم شارك في مهرجان البحر الأحمر السينمائي، كما تُوّج بـجائزة التانيت الذهبي في أيام قرطاج السينمائية، قبل أن يُعرض في مصر لاحقًا. كذلك تشير قواعد ومواعيد الأكاديمية المنشورة رسميًا إلى أن سباق الدورة الـ99 يقام حفلها يوم 14 مارس 2027، فيما موقع submissions.oscars.org يوضح أن بوابة تقديم أفلام الدورة الـ99 مفتوحة، مع مواعيد خاصة بفئة الفيلم الدولي ضمن إجراءات الأكاديمية.

هذا المسار مهم لأن المنافسة على الأوسكار لا تبدأ من لحظة إعلان الدولة ممثلها الرسمي، بل من بناء سمعة الفيلم مسبقًا: مهرجانات، جوائز، مراجعات نقدية، وشبكة علاقات توزيع وعروض. هنا تبدو أفضلية «القصص» أنه قادم بالفعل من مساحة اهتمام نقدي وفني، وليس مجرد عنوان محلي تم اختياره في اللحظة الأخيرة.

هل يعيد «القصص» السينما المصرية إلى خريطة الجوائز العالمية؟

الإجابة الأدق: يمكنه أن يعيدها إلى الخريطة بوصفه خطوة جادة، لا بوصفه ضمانة نهائية. فسباق أفضل فيلم دولي شديد التعقيد، ويتطلب إلى جانب جودة الفيلم حملة مشاهدة وترويجًا ذكيًا وقدرة على الاستمرار في التداول حتى إعلان القائمة القصيرة ثم الترشيحات النهائية.

لكن ما يميز «القصص» بالفعل هو أن عناصره الأساسية تخدم هذا الهدف: رؤية إخراجية ذات مصداقية دولية، موضوع مصري بعمق إنساني وتاريخي، ممثلة كبيرة مثل نيللي كريم، وممثل دولي الصدى مثل أمير المصري. كما أن الفيلم، وفق البيانات المتاحة، حقق حضورًا تجاريًا نسبيًا في شباك التذاكر المحلي، وهو مؤشر إضافي على أنه ليس فيلم مهرجانات معزولًا بالكامل عن جمهوره.

ما الذي تحتاجه الخطوة التالية؟

  • حملة دولية منظمة تركز على خصوصية الفيلم المصرية وقدرته على مخاطبة جمهور عالمي.
  • الاستفادة من سمعة أبو بكر شوقي السابقة منذ «يوم الدين» في دوائر المهرجانات والنقاد.
  • تسليط الضوء على أداء نيللي كريم وأمير المصري باعتبارهما من أبرز مفاتيح استقبال الفيلم.
  • تثبيت سردية واضحة حول الفيلم: حكاية مصرية شخصية وتاريخية، مصاغة بلغة سينمائية عابرة للحدود.

في النهاية، قد لا يكون ترشيح «القصص» وحده كافيًا للقول إن السينما المصرية استعادت مكانتها العالمية بالكامل، لكنه بالتأكيد واحد من أكثر الترشيحات المصرية منطقية وجاهزية في السنوات الأخيرة. والأهم أنه يعيد طرح فكرة أساسية طال انتظارها: أن الفيلم المصري قادر، حين تتوافر له الرؤية والتمويل والصبر والتمثيل المناسب، على أن يكون جزءًا من الحوار السينمائي العالمي، لا مجرد ضيف عابر عليه.