بعد تأجيل دعوى «الست».. هل يخدم الجدل شباك التذاكر؟
تأجيل الدعوى أعاد الفيلم إلى العناوين.. لكن السؤال تجاري بالأساس
عاد فيلم «الست» إلى صدارة النقاش الفني في مصر بعد قرار محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة تأجيل الدعوى المقامة من أسرة أم كلثوم، المطالِبة بوقف عرض الفيلم وسحب ترخيصه من دور السينما والقنوات الفضائية ومنصات الإنترنت، إلى جلسة 6 أغسطس 2026. وبحسب ما نشرته المصري اليوم، جاء التأجيل لورود رد هيئة قضايا الدولة على المستندات المقدمة من الدفاع. هذه النقطة وحدها كانت كافية لإعادة اسم الفيلم إلى التداول، لكن تأثير ذلك على شباك التذاكر المصري يحتاج قراءة أهدأ من منطق «أي جدل يساوي إيرادات».
منذ البداية، لم يكن «الست» مجرد فيلم سيرة ذاتية عادي. العمل يتناول رحلة أم كلثوم من القرية إلى القاهرة، وتقدمه منصة شاهد بوصفه فيلمًا مصريًا من نوع السيرة الذاتية والدراما، بمدة 2:34:34، وبطولة منى زكي (@monazakiofficial على إنستغرام) إلى جانب سيد رجب، محمد فراج، نيللي كريم، أمينة خليل، عمرو سعد، كريم عبدالعزيز، أحمد خالد صالح وتامر نبيل. هذا الحجم من الأسماء، مع حساسية الشخصية التاريخية نفسها، جعل الجدل شبه حتمي قبل العرض وبعده.
ما الذي تعترض عليه الأسرة تحديدًا؟
التغطيات المنشورة عن الدعوى توضح أن أسرة أم كلثوم تعتبر أن الفيلم يتضمن وقائع ومشاهد تراها مسيئة لسيرة «كوكب الشرق» ومشوِّهة لسمعتها وتاريخها، وأن النزاع لا يدور فقط حول الرأي النقدي أو الذوق الفني، بل حول مشروعية الترخيص وحدود تناول السيرة الشخصية لرمز مصري بهذا الحجم. كما أشارت تقارير سابقة إلى غضب بعض أفراد العائلة من «معلومات مغلوطة بالجملة» على حد وصفهم، وهو ما يفسر انتقال الاعتراض من السوشيال ميديا إلى ساحة القضاء.
في المقابل، دافع صناع الفيلم عن العمل بوصفه معالجة فنية لسيرة معروفة ومعقدة، وتحدث الكاتب أحمد مراد عن أن الجمهور يمتلك صورة ذهنية خاصة للغاية عن كل فنان كبير، ما يجعل أي تجسيد درامي عرضة للاعتراض. كما رد السيناريست عمرو سمير عاطف على منتقدي الفيلم مؤكدًا أن العمل ينتمي إلى السيرة الذاتية ويروي رحلة حياة أم كلثوم من طفولتها حتى انتقالها إلى القاهرة. هنا يتضح أن الجدل لم يعد بين «فيلم ناجح» و«اعتراض عابر»، بل بين تصورين مختلفين لطريقة تمثيل الأيقونات الوطنية على الشاشة.
هل الجدل القانوني يصنع إيرادات فعلًا؟
الإجابة الأقرب إلى الواقع: ليس دائمًا. في السوق المصرية، قد يمنح الجدل دفعة انتباه مهمة، لكنه لا يضمن بالضرورة موجة شراء تذاكر مستمرة. والدليل أن «الست» نفسه كان محاطًا بضجيج كبير منذ طرح البرومو والمواد الترويجية، بين انتقادات لاختيار منى زكي للشخصية ونقاشات حول المكياج والصوت والزمن التاريخي، ومع ذلك لم يتحول هذا الجدل تلقائيًا إلى هيمنة طويلة في دور العرض. المصري اليوم ذكرت أن الفيلم حقق نحو 26.9 مليون جنيه في مصر خلال عرضه السينمائي، قبل أن يُرفع من دور العرض بعد نحو 6 أسابيع، وهي حصيلة لا يمكن وصفها بالضعيفة تمامًا، لكنها أيضًا ليست الرقم الذي يعكس عاصفة الجدل التي أحاطت بالعمل.
وتدعم بيانات elCinema هذه الفكرة من زاوية أخرى؛ فصفحة شباك التذاكر الخاصة بالفيلم تُظهر استمرار تسجيل إيرادات لاحقة محدودة، من بينها 197,566 جنيهًا في أحد أسابيع عام 2026، ما يعني أن الزخم التجاري الكبير لم يستمر بنفس القوة، حتى مع بقاء اسم الفيلم حاضرًا في النقاش. ببساطة: الفضول قد يدفع البعض إلى المشاهدة مرة، لكن الاستمرارية تحتاج رضا جمهور أوسع وتوصية شفوية قوية.
الدعاية المجانية موجودة.. لكن تأثيرها مشروط
لا يمكن إنكار أن خبر الدعوى المؤجلة إلى 6 أغسطس 2026 منح «الست» جرعة دعاية مجانية جديدة. فالقضية تعيد تذكير الجمهور بالفيلم، وتضعه مرة أخرى داخل نقاش عام يتقاطع فيه الفن مع القانون والذاكرة الوطنية. هذا النوع من الجدل قد يفيد خصوصًا في العرض الرقمي، حيث تكون «عتبة التجربة» أقل من الذهاب إلى السينما. بالفعل، تحدثت المصري اليوم عن إشادة واسعة بالفيلم بعد طرحه رقميًا على شاهد في أول أيام عيد الأضحى 2026، معتبرة أن العرض الرقمي أنصف منى زكي وصناع الفيلم مقارنة بمناخ الاستقبال الأول في السينمات.
هذه النقطة مهمة جدًا: الجدل القانوني قد لا يعيد اختراع مسار فيلم انتهت دورته الأساسية في السينما، لكنه قد يطيل عمره جماهيريًا على المنصات، ويجذب جمهورًا كان مترددًا أو اكتفى بمتابعة السجال من بعيد. وهنا يصبح الجدل أداة تذكير أكثر منه آلة إيرادات مباشرة.
خصوصية أم كلثوم تجعل المعادلة أكثر تعقيدًا
أي قراءة تجارية لفيلم «الست» يجب أن تبدأ من حقيقة أن أم كلثوم ليست مجرد شخصية شهيرة، بل رمز ثقافي مصري وعربي استثنائي. ولهذا كان سقف التوقعات مرتفعًا جدًا منذ الإعلان عن الفيلم، الذي كتب له أحمد مراد وأخرجه مروان حامد (@marwanhamed على إنستغرام). وعندما يكون موضوع الفيلم بحجم أم كلثوم، فإن الجدل لا يتحرك فقط على مستوى «الفيلم حلو أم لا»، بل على مستوى: هل هذه هي أم كلثوم التي يعرفها المصريون أصلًا؟
لهذا السبب تحديدًا، يمكن أن ينقسم أثر الدعوى إلى اتجاهين متناقضين: اتجاه يرى أن الهجوم على الفيلم يزيد الفضول ويحفز المشاهدة، واتجاه آخر يعتبر أن الاعتراض العائلي والقانوني قد يعمق شكوك بعض المتفرجين حول دقة العمل، فيؤجلون المشاهدة أو يكتفون بمتابعته لاحقًا على المنصة. وفي السوق المصرية، غالبًا ما تكون النتيجة النهائية خليطًا بين الاتجاهين، لا انتصارًا كاملًا لأحدهما. هذا استنتاج تحليلي تدعمه الأرقام السابقة ومسار الاستقبال الذي مر به الفيلم بين السينما والمنصة الرقمية.
الخلاصة: الجدل يخدم الوعي بالفيلم أكثر من شباك التذاكر
بعد تأجيل دعوى أسرة أم كلثوم إلى 6 أغسطس 2026، يبدو أن «الست» كسب جولة جديدة من الحضور الإعلامي، لكن تحويل هذا الحضور إلى طفرة في شباك التذاكر المصري ليس أمرًا مضمونًا، خصوصًا أن الفيلم قطع بالفعل مرحلة العرض السينمائي الأساسية ووجد حياة جديدة على شاهد. الأرجح أن الجدل القانوني سيظل دعاية مؤثرة من حيث إبقاء الفيلم في دائرة الكلام، واستدعاء جمهوره المحتمل مرة أخرى، لكنه لن يكون وحده كافيًا لصناعة معجزة تجارية متأخرة.
بمعنى أوضح: في حالة «الست»، الجدل لا يبيع التذاكر بنفس قدر ما يعيد تشكيل صورة الفيلم في الوعي العام. وهذا، في حد ذاته، مكسب مهم لعمل يتناول أم كلثوم، حتى لو لم يترجم دائمًا إلى طوابير أطول أمام شباك التذاكر.