بعد انطلاق «جيلنا» 2026.. هل يربح المركز الكاثوليكي رهانه؟
انطلاقة ثالثة تحمل اختبارًا حقيقيًا
مع انطلاق فعاليات الدورة الثالثة من مهرجان «جيلنا» للأفلام القصيرة والتصوير الفوتوغرافي يوم 8 أكتوبر 2026 في قاعة النيل للآباء الفرنسيسكان بوسط البلد، عاد السؤال بقوة إلى واجهة المشهد السينمائي المصري: هل ينجح المركز الكاثوليكي المصري للسينما في تحويل هذه المبادرة إلى منصة شبابية مستقرة لا تكتفي بالاحتفاء بالمواهب، بل تفتح بالفعل طريقًا عمليًا لاكتشاف صناع أفلام مصريين جدد؟
المهرجان، المقام برعاية مشتركة بين المركز الكاثوليكي المصري للسينما وقناة سات 7، لا يتحرك هذه المرة كفعالية رمزية أو حدث بروتوكولي. الأرقام المعلنة قبل الافتتاح ثم المؤكدة مع انطلاق الدورة تقول إن المسابقة استقبلت 197 فيلمًا لمخرجين من 14 دولة، واختير منها 28 فيلمًا فقط للمنافسة، فيما شارك 36 مخرجًا من خارج مصر. وفي مسابقة التصوير الفوتوغرافي، شارك 73 مصورًا من 4 دول، مع اختيار 40 مصورًا للمنافسة، وضم المعرض المصاحب 117 صورة. هذه الأرقام تمنح «جيلنا» حجمًا تنافسيًا واضحًا، حتى لو ظل التحدي الأكبر هو ما بعد الأرقام: ماذا سيحدث لهذه المواهب بعد انتهاء الجوائز؟
لماذا تبدو دورة 2026 مختلفة؟
الدورة الحالية تحمل اسم الفنان الراحل عبد الرحمن أبو زهرة والموسيقار الراحل هاني شنودة، في إشارة إلى محاولة ربط الأجيال الجديدة بإرث فني مصري راسخ، لا بمجرد فكرة «الشباب من أجل الشباب». وفي حفل الافتتاح قُدمت مواد فيلمية عن المركز وعن مشروع «جيلنا بلس»، كما عُرضت أغنية المهرجان «ما تخف تعوم»، واختير الفيلم الوثائقي «شريط من مصر» للمخرج لؤي جلال ليكون فيلم الافتتاح.
هذا الاختيار مهم؛ لأن «شريط من مصر» ليس مجرد عنوان افتتاحي، بل يعبّر عن ميل واضح داخل المهرجان لربط التجربة الجديدة بسؤال الهوية والذاكرة والصورة المصرية. هنا تحديدًا يظهر أحد عناصر قوة «جيلنا»: أنه لا يقدّم منصة تقنية فقط، بل يحاول أن يصنع سياقًا ثقافيًا للشباب المشاركين، وهو ما تحتاجه بشدة حركة الفيلم القصير في مصر.
رهان المركز الكاثوليكي: من الجوائز إلى صناعة المسار
الأب بطرس دانيال يقود المهرجان بصفته مدير المركز ورئيسه، ومعه لجنة عليا تضم رفيق چورچ وميشيل ماهر ومجدي سامي وأسامة عيسى. ومنذ انطلاق «جيلنا» قبل ثلاث سنوات، تبدو الفكرة الأساسية واضحة: إيجاد مساحة أقل رسمية من المهرجانات الكبرى، وأكثر التصاقًا بالمواهب التي لا تملك بعد شبكة علاقات أو تمويلًا أو فرص عرض واسعة.
نجاح هذا الرهان لن يُقاس فقط بعدد المشاركات، بل بقدرة المهرجان على أداء ثلاثة أدوار معًا:
- الفرز الجاد بين الكم الكبير من التجارب الشابة.
- منح شرعية رمزية للمواهب الجديدة عبر لجان تحكيم معروفة.
- خلق صلة مهنية بين أصحاب الأفلام وسوق الصناعة والمنتجين والبرامج التدريبية.
حتى الآن، يبدو أن «جيلنا» ينجح بوضوح في الدورين الأول والثاني. لجنة تحكيم الأفلام القصيرة هذا العام ترأسها المخرج عادل الأعصر، وضمّت آمال عثمان وسلوى محمد علي ولقاء الخميسي وإسلام إبراهيم وأماني التونسي وبسام إبراهيم وسارة عبد الله. كما ترأس لجنة التصوير الفوتوغرافي وائل عناني، وشارك فيها هشام مرعي وأيمن أبو المكارم. هذا التنوع يمنح المهرجان درجة معتبرة من الجدية والتخصص.
لكن أين الفرصة المصرية تحديدًا؟
رغم البعد العربي الواضح في المشاركات، فإن السؤال المصري يظل هو الأهم بالنسبة لقسم السينما المصرية: هل يخدم «جيلنا» فعلاً اكتشاف صناع أفلام مصريين؟ الإجابة الأقرب الآن هي: نعم، ولكن بشروط.
الشرط الأول أن يحتفظ المهرجان بهويته كمنصة وصول أولى. فالمشهد المصري مليء بمواهب تصنع أفلامًا قصيرة بميزانيات محدودة جدًا، وتبحث أساسًا عن شاشة محترمة ولجنة تشاهد بإنصاف. حين يختار «جيلنا» 28 فيلمًا فقط من أصل 197 فيلمًا، فهو يرسل إشارة مفادها أن هناك عملية انتقاء وليست مجرد استيعاب جماهيري.
الشرط الثاني أن تستمر الفعاليات الموازية، لا سيما العروض والندوات والنقاشات المفتوحة. البرنامج المعلن للدورة الحالية يمتد في 8 و9 أكتوبر للعروض ومعرض الصور، قبل حفل الختام وإعلان الجوائز في 10 أكتوبر 2026. هذه المساحة الزمنية القصيرة نسبيًا قد تكون كافية لحدث مركز، لكنها تحتاج لاحقًا إلى امتداد تدريبي أو إنتاجي إذا أراد المهرجان أن يصبح نقطة تحول حقيقية في مسار المشاركين.
النجوم في الافتتاح: بريق ضروري أم تشتيت عن الهدف؟
شهد الافتتاح تكريم أسماء معروفة مثل نور (@nouractress على إنستغرام)، ودرة، ومحمد محمود، ومصطفى خاطر، وسلمى أبو ضيف، إلى جانب أسماء من التصوير والصناعة. حضور هذه الأسماء يخدم المهرجان إعلاميًا بلا شك، ويمنحه قدرة أكبر على الوصول إلى جمهور أوسع من المهتمين بالأفلام القصيرة.
لكن القيمة الحقيقية لهذا الحضور لا تكون في الصور التذكارية، بل في مقدار ما يوفّره من جسر رمزي بين الصناعة القائمة والمواهب الصاعدة. وفي هذا السياق، يبدو «جيلنا» واعيًا بأن الفيلم القصير في مصر يحتاج إلى اعتراف مؤسسي وشعبي معًا؛ فالجمهور العام لا ينجذب بسهولة إلى مسابقات الأفلام القصيرة ما لم يشعر بوجود أسماء مألوفة تمنح الحدث وزنًا.
ما الذي ينقص التجربة حتى تربح الرهان بالكامل؟
إذا أردنا تقييم التجربة بواقعية، فهناك مسافة لا تزال تفصل بين المهرجان الناجح والمنصة المكتملة. «جيلنا» حقق حتى الآن حضورًا منتظمًا للعام الثالث على التوالي، ونجح في جمع مشاركات عربية ومصرية ملحوظة، وصاغ لنفسه خطابًا واضحًا تحت شعار «الفن من أجل الحياة». لكن لكي يتحول إلى محطة أساسية لاكتشاف صناع الأفلام المصريين، يحتاج إلى ما هو أبعد من الاحتفاء السنوي:
- أرشفة واضحة للأفلام الفائزة والمختارة ومسارات صناعها لاحقًا.
- برامج متابعة أو ورش ترتبط بالدورة التالية.
- توسيع نافذة العرض للأفلام المختارة خارج أيام المهرجان.
- تعزيز الصلة بسوق الإنتاج المصري حتى لا تبقى الجوائز نهاية الطريق.
هذه النقاط ليست انتقاصًا من التجربة، بل هي التحدي الطبيعي لأي مهرجان يريد أن ينتقل من مرحلة «الاكتشاف» إلى مرحلة «التأثير».
الخلاصة: نعم، لكنه رهان يحتاج نفسًا طويلًا
بعد انطلاق مهرجان جيلنا 2026، يمكن القول إن المركز الكاثوليكي المصري للسينما قطع خطوة جدية في بناء منصة شبابية تستحق المتابعة داخل المشهد المصري. قوة المهرجان الآن تكمن في انتظامه، وفي الجدية التنظيمية، وفي الأرقام التي تعكس إقبالًا متزايدًا، وفي قدرته على الجمع بين الفيلم القصير والتصوير الفوتوغرافي تحت سقف واحد.
هل ينجح الرهان؟ مبدئيًا نعم، لأن المنصة موجودة بالفعل، والجمهور المهني بدأ يلاحظها، والحدث صار يملك ملامح وهوية. لكن النجاح الكامل لن يُحسم في ليلة الختام يوم 10 أكتوبر 2026، بل في السنوات التالية: عندما نرى مخرجين مصريين شبانًا بدأوا من «جيلنا» ثم انتقلوا إلى أفلام أطول، وإنتاجات أكبر، وأسماء أكثر حضورًا في خريطة السينما المصرية. عندها فقط يمكن القول إن الرهان لم يكن جميلًا على الورق فحسب، بل فعّالًا في صناعة المستقبل.