بعد افتتاحه اليوم.. كيف يراهن المهرجان الفرنكوفوني على السينما المصرية؟
افتتاح دورة جديدة.. لكن الرسالة مصرية بوضوح
مع افتتاح الدورة السادسة من مهرجان القاهرة للسينما الفرنكوفونية اليوم السبت 3 أكتوبر 2026 في مكتبة مصر الجديدة، يدخل الحدث هذا العام مساحته الأكثر وضوحًا من حيث الرهان الثقافي: كيف يمكن لمهرجان يحمل هوية فرنكوفونية أن يعيد تقديم السينما المصرية باعتبارها شريكًا أصيلاً في الحوار، لا مجرد خلفية مكانية للفعاليات؟ المهرجان، الذي يقام من 3 إلى 7 أكتوبر تحت شعار «العودة إلى المستقبل»، يقدّم إجابة عملية عبر برنامج يزاوج بين الذاكرة السينمائية المصرية، وأسماء من قلب الصناعة المحلية، ونقاشات ترتبط بمستقبل الصورة والإنتاج والذكاء الاصطناعي.
رئيس المهرجان الدكتور ياسر محب صاغ الفكرة بصورة مباشرة حين أوضح أن الشعار لا يكتفي بالاحتفاء بالماضي، بل يستخدم ذاكرة السينما مدخلاً لفهم تحولات الحاضر واستشراف ما يمكن أن يأتي. هذا التعريف مهم، لأنه يضع السينما المصرية داخل المعادلة بوصفها ذاكرة حية تملك أرشيفًا جماهيريًا واسعًا، وفي الوقت نفسه تبحث عن موقعها داخل لحظة تقنية جديدة تتبدل فيها أدوات الكتابة والتصوير والمونتاج والتلقي.
نادية الجندي في الواجهة.. تكريم يحمل دلالة مصرية صريحة
أبرز مؤشر على هذا الرهان هو اختيار نادية الجندي نجمةً لتكريم الدورة السادسة. القرار لا يبدو احتفاليًا فقط، بل يحمل معنى تحريريًا واضحًا: المهرجان يريد أن يبدأ من اسم مصري شديد الرسوخ في ذاكرة الجمهور، وصاحب تاريخ يرتبط بنمط خاص من البطولة الجماهيرية التي صنعت جزءًا مهمًا من صورة السينما التجارية المصرية في السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات. إدارة المهرجان أعلنت أن التكريم يأتي تقديرًا لمسيرة فنية وجماهيرية امتدت لعقود، فيما أشارت بوابة الأهرام إلى أن رصيدها يتجاوز 60 فيلمًا.
أهمية نادية الجندي هنا لا تتعلق بعدد الأفلام فقط، بل بطبيعة الأفلام نفسها. فالأعمال التي استعادها خبر تكريمها، مثل «الباطنية» و«وكالة البلح» و«خمسة باب» و«مهمة في تل أبيب» و«حكمت فهمي»، تضع أمام المهرجان نموذجًا مصريًا خالصًا لنجمة جمعت بين الشباك والجدل والحضور النسائي القوي داخل بنية الصناعة. ومن ثم فإن الاحتفاء بها داخل دورة عنوانها «العودة إلى المستقبل» يبدو كأنه تذكير بأن المستقبل لا يُبنى من فراغ، بل من قراءة التجارب التي صنعت الصلة الأعمق مع الجمهور المصري.
مدحت العدل.. إعادة الاعتبار للكتابة المصرية
الرهان الثاني يظهر في اختيار السيناريست مدحت العدل رئيسًا للجنة تحكيم مسابقة الأفلام الروائية والتسجيلية الطويلة. هذا القرار يكشف أن المهرجان لا يضع الواجهة التمثيلية وحدها في المقدمة، بل يعيد توجيه الانتباه إلى الكتابة بوصفها قلب الصناعة. وفي تبرير الاختيار، جرى التأكيد على أن حضور العدل يفتح النقاش حول دور الكاتب والسيناريست في زمن تتغير فيه أدوات الإنتاج بسرعة هائلة، وأن التكنولوجيا مهما تطورت لا تُلغي الحاجة إلى الحكاية والشخصية والفكرة.
ومن زاوية مصرية، تبدو هذه النقطة بالغة الأهمية. فمدحت العدل ارتبط اسمه بأفلام لها وزن كبير في ذاكرة الجمهور مثل «أمريكا شيكا بيكا» و«قشر البندق» و«حرب الفراولة» و«آيس كريم في جليم» و«صعيدي في الجامعة الأمريكية» و«همام في أمستردام». استدعاء هذا المسار داخل مهرجان فرنكوفوني يعني أن السينما المصرية لا تدخل الدورة من باب التمثيل الشكلي، بل من باب خبراتها السردية التي صنعت لغة شعبية خاصة وقدرة على التواصل العابر للحدود.
سعاد حسني على الأفيش.. استخدام الذاكرة كقوة ناعمة
واحد من أكثر التفاصيل دلالة هو الحضور الخاص لـسعاد حسني على أفيش الدورة، في إشارة إلى مرور 25 عامًا على رحيلها عام 2001. هذا الاختيار ينسجم تمامًا مع فكرة «العودة إلى المستقبل»: استدعاء أيقونة مصرية لا باعتبارها حنينًا فقط، بل باعتبارها رمزًا لمرحلة ما زالت تؤثر في تصور الأجيال لمعنى النجومية، وخفة الأداء، وعلاقة السينما بالحياة اليومية في مصر.
الأفيش هنا ليس تفصيلاً بصريًا عابرًا. في سياق مهرجان يُخاطب فضاءً فرنكوفونيًا أوسع، يصبح استخدام صورة سعاد حسني بمثابة إعلان هوية: القاهرة تدخل هذا الحوار العالمي من أرشيفها الخاص، ومن وجوهها الأكثر قابلية للتذكر والالتقاط والتداول. وهذا يرسخ فكرة أن السينما المصرية ليست مجرد قطاع إنتاج محلي، بل رصيد رمزي وثقافي يمكن البناء عليه في الخطاب المهرجاني الدولي.
من التكريم إلى اللجان.. مصريون في قلب البنية لا على هامشها
برنامج الافتتاح نفسه يعزز الفكرة. فبحسب ما أعلنته التغطيات المنشورة اليوم، يشهد الحفل تكريم نادية الجندي ومدحت العدل إلى جانب شريف منير وسوزان نجم الدين، كما تتضمن الفعاليات Masterclasses وندوات متخصصة. كذلك تترأس سوزان نجم الدين لجنة تحكيم مسابقة «123»، بينما تشارك جيسيكا حسام الدين في لجنة تحكيم أفلام شباب Gen Z والطلبة. هذه البنية تقول إن المهرجان يحاول تغطية أكثر من طبقة: النجوم، الكتّاب، لجان التحكيم، والأجيال الشابة.
وبالنسبة لقسم السينما المصرية تحديدًا، فهذه نقطة محورية: الحضور المصري داخل المهرجان ليس رمزيًا ولا محصورًا في السجادة الحمراء، بل ممتد إلى آليات التقييم والنقاش وصناعة المعنى. وهذا ما يمنح الدورة قيمة محلية حقيقية، حتى وهي تتحرك داخل إطار فرنكوفوني أوسع.
الذكاء الاصطناعي والمستقبل.. لكن من زاوية تخدم الصناعة المحلية
المهرجان يخصص مساحة واضحة للنقاش حول التحولات التقنية، خصوصًا ما يتعلق بالذكاء الاصطناعي ومراحل الكتابة والإنتاج والتصوير والمونتاج والمؤثرات البصرية. كما أن نشاطه في مارس 2026 تضمّن احتفالية وورشة متخصصة عن استخدامات الذكاء الاصطناعي في السينما، إضافة إلى الإعلان عن بروتوكول تعاون مع المركز الثقافي اليوناني بالقاهرة لتقديم دورات تدريبية وأكاديمية مجانية في هذا المجال.
هنا أيضًا يظهر الرهان المصري بوضوح. فبدلاً من الاكتفاء بخطاب عام عن التكنولوجيا، يحاول المهرجان ربط النقاش بمسألة أكثر إلحاحًا داخل السوق المصرية: كيف تحافظ الصناعة على هويتها السردية والبصرية، بينما تدخل أدوات جديدة تغيّر شكل الإنتاج والمحتوى؟ هذا السؤال لا يخص المهرجان وحده، بل يخص السينما المصرية كلها، من القطاع المستقل إلى الإنتاج التجاري الكبير.
لماذا تبدو «العودة إلى المستقبل» دورة مناسبة للسينما المصرية؟
لأن السينما المصرية تمتلك أصلًا عنصرَي المعادلة اللذين يقوم عليهما الشعار:
- ذاكرة واسعة من النجوم والأفلام والأنماط السردية القادرة على استدعاء الجمهور فورًا.
- حاجة ملحّة إلى تحديث الأدوات في ظل التحولات الرقمية والمنافسة الإقليمية وتغير عادات المشاهدة.
من هذه الزاوية، تبدو الدورة السادسة محاولة ذكية لتقديم مصر بوصفها دولة تملك ماضيًا سينمائيًا ثقيلًا، لكنها لا تريد البقاء أسيرة هذا الماضي. اختيار نادية الجندي وسعاد حسني ومدحت العدل، مع الحديث المتكرر عن الذكاء الاصطناعي والورش والماستر كلاس، يصنع جسرًا بين جيل الذاكرة وجيل الصناعة الجديدة.
الخلاصة.. مهرجان فرنكوفوني بوجهة مصرية
بعد افتتاحه اليوم 3 أكتوبر 2026، يبعث مهرجان القاهرة للسينما الفرنكوفونية برسالة واضحة: لا تعارض بين الانفتاح على الفضاء الفرنكوفوني وبين تثبيت مركزية السينما المصرية داخل الحدث. على العكس، يبدو أن الدورة السادسة تبني شرعيتها وقيمتها من هذا التوازن تحديدًا. فالقاهرة تستضيف، لكنّها أيضًا تتكلم بصوتها، وتستعيد رموزها، وتطرح أسئلتها الخاصة عن المستقبل.
ولهذا، فإن «العودة إلى المستقبل» ليست مجرد لافتة دعائية للدورة الحالية، بل صيغة عمل تضع السينما المصرية في قلب المشهد: تاريخ يُستعاد، وأسماء تُكرَّم، وكتابة يُعاد الاعتبار لها، ومستقبل تقني يجري التفاوض معه من منظور محلي مصري واضح. وهذا بالتحديد ما يجعل الدورة الحالية جديرة بالمتابعة داخل ملف السينما المصرية.