Egypt Box Office

بعد اختيار «القصص» للأوسكار.. هل يغيّر صورة السينما المصرية؟

«القصص» في سباق أوسكار 2027: لماذا أثار الاختيار كل هذا الاهتمام؟

دخل فيلم «القصص» للمخرج والمؤلف أبو بكر شوقي دائرة الاهتمام الثقافي في مصر بقوة بعد إعلان اختياره رسميًا لتمثيل البلاد في منافسات أوسكار أفضل فيلم دولي في الدورة الـ99، المقرر إقامة حفلها في 14 مارس 2027. القرار أُعلن عبر نقابة المهن السينمائية، وتناولته وسائل مصرية عدة باعتباره خطوة جديدة في مسار شوقي مع الأوسكار، بعد تجربة «يوم الدين» التي حملت اسم مصر من قبل.

أهمية الخبر لا تتوقف عند مجرد ترشيح سنوي معتاد، بل تتعلق بطبيعة الفيلم نفسه: عمل مصري يدور بين القاهرة وفيينا، ويتابع حياة بطل مصري عبر تحولات سياسية واجتماعية ممتدة بين 1967 و1984، من دون أن يتخلى عن جذوره المحلية أو نبرته الإنسانية الحميمة.

ما الذي نعرفه عن فيلم «القصص»؟

بحسب المعلومات المنشورة عن الفيلم، فإن «القصص» من تأليف وإخراج أبو بكر شوقي، ويضم في بطولته نيللي كريم وأمير المصري وكريم قاسم وأحمد كمال وصبري فواز وشريف الدسوقي وعمرو عابد وفاليري باشنر. كما تم تصويره بين القاهرة وفيينا، وهي تفصيلة مهمة لأنها تعكس من البداية أن الفيلم يتحرك داخل مساحة مصرية واضحة، لكن بعين منفتحة على العالم.

وتدور القصة حول عازف بيانو مصري شاب يخطط للسفر إلى فيينا بعد مراسلات مع صديقة نمساوية، بينما تتحرك الأحداث على خلفية التحولات التي شهدها المجتمع المصري في تلك المرحلة. هذا البناء يمنح الفيلم طبقتين في الوقت نفسه: حكاية شخصية عن الحلم والحب والانتظار، وقراءة أوسع لذاكرة مصر الاجتماعية والسياسية من داخل البيوت والعلاقات اليومية، لا عبر الخطابة أو التلخيص التاريخي المباشر.

كيف حُسم اختيار الفيلم ممثلًا لمصر؟

التفاصيل التي خرجت من تغطيات مصرية أوضحت أن المنافسة داخل لجنة الاختيار لم تكن شكلية. ففي الجولة الأولى من التصويت، حصد «القصص» 22 صوتًا، مقابل 21 صوتًا لفيلم «دخل الربيع يضحك»، و20 صوتًا لـ«المستعمرة»، و7 أصوات لـ«ولنا في الخيال حب». ثم عاد الفيلم ليتصدر المرحلة النهائية أيضًا، إذ حصل على 14 صوتًا في القائمة القصيرة الداخلية التي ضمت أبرز الأعمال المتقدمة. هذا الفارق الضيق نسبيًا يقول شيئًا مهمًا: الاختيار جاء بعد مفاضلة حقيقية، لا بإجماع سهل.

كما أثيرت خلال المناقشات مسألة أهلية بعض الأعمال من حيث التصنيف الإنتاجي والهوية الرسمية، وهو ما جعل فوز «القصص» يبدو، في نظر كثيرين، انتصارًا لفيلم يحمل صفة مصرية واضحة وقابلية دولية في آن واحد.

لماذا يبدو «القصص» مختلفًا عن صورة الفيلم المصري التقليدي في الخارج؟

السؤال الأهم ليس فقط: هل الفيلم جيد؟ بل: أي صورة يقدمها عن مصر؟ هنا تحديدًا تبرز فرادة «القصص». فالعمل لا يقدّم مصر بوصفها بطاقة سياحية، ولا يحصرها في الفقر أو العنف أو الصخب، وهي صور كثيرًا ما تهيمن على نظرة الخارج إلى المنطقة. بدلًا من ذلك، يقدّم مجتمعًا كاملًا عبر تفاصيل الحياة اليومية: الموسيقى، الأسرة، الرسائل، كرة القدم، القلق الطبقي، والحنين.

هذا مهم جدًا في موسم الجوائز، لأن الأكاديمية لا تتعامل فقط مع جودة الصناعة، بل أيضًا مع الخصوصية القابلة للفهم عالميًا. حين ينجح فيلم في أن يكون مصريًا جدًا من دون أن ينغلق على متفرجه المحلي، فإنه يصبح أكثر قدرة على العبور. و«القصص» يبدو قريبًا من هذا النموذج، خاصة أن مادته الإنسانية الأساسية—الانتظار، الحب، الحلم، والهجرة المتخيلة—مفهومة في كل مكان.

1) مصر هنا ليست خلفية.. بل وجدان كامل

التقارير والتغطيات النقدية التي صاحبت الفيلم ركزت على حضوره الزمني الممتد من هزيمة 1967 إلى ما بعد ذلك، وكيف تتسلل التحولات الكبرى إلى مصائر الشخصيات. هذه نقطة قوة بارزة، لأن الفيلم لا يشرح التاريخ للمشاهد، بل يجعله محسوسًا في العلاقات والاختيارات اليومية.

2) الموسيقى عنصر درامي لا زينة شكلية

اختيار بطل يعمل عازف بيانو ليس تفصيلة جمالية عابرة. فالموسيقى هنا جزء من تكوين الشخصية ومن علاقتها بالعالم. في سوق عالمي مزدحم بالأفلام السياسية أو الاجتماعية المباشرة، يمنح هذا الفيلم نبرة أكثر شاعرية وهدوءًا، وهي نبرة قد تكون ميزة وليست عيبًا إذا وصلت الحملة الدولية بالشكل الصحيح.

3) فريق تمثيل يجمع أسماء محلية وحضورًا دوليًا

وجود نيللي كريم (@nellykarim_official على إنستغرام) وأمير المصري إلى جانب فاليري باشنر يخلق تركيبة تساعد الفيلم على مخاطبة أكثر من دائرة جمهور. كما أن أمير المصري، تحديدًا، يحمل في السنوات الأخيرة حضورًا متزايدًا في الأعمال العابرة للحدود، وهو ما قد يفيد الفيلم في بناء انتباه نقدي وإعلامي خارج المنطقة العربية.

هل يملك أبو بكر شوقي خبرة كافية لهذا المسار؟

ببساطة: نعم، وهذه نقطة لا يجب التقليل من وزنها. أبو بكر شوقي ليس اسمًا جديدًا على خرائط المهرجانات أو على فكرة “الفيلم المصري القابل للترجمة العالمية”. تجربته السابقة مع «يوم الدين» رسخت اسمه كمخرج يفضّل القصص الإنسانية الصغيرة ذات الخلفية الاجتماعية العميقة. وفي «القصص»، عاد إلى منطلق شخصي أيضًا؛ إذ صرح في حوار صحفي بأن بذرة المشروع بدأت منذ 2019، مستلهمة من قصة تعارف والديه عبر الرسائل بين مصر والنمسا، قبل أن يتطور العمل إلى فيلم أكبر عن العائلة والذاكرة والتحولات.

هذه الخلفية الشخصية تمنح الفيلم صدقًا إضافيًا. وفي سباقات مثل الأوسكار، الصدق غالبًا ما يكون أكثر تأثيرًا من “التصميم المسبق” على صناعة فيلم جوائز.

ما الذي يحتاجه «القصص» فعليًا كي يتقدم في السباق؟

اختيار الفيلم ممثلًا لمصر هو الخطوة الأولى فقط. التحدي الحقيقي يبدأ بعد ذلك: عروض للأعضاء والناخبين، حضور نقدي في الصحافة الأجنبية، إدارة ذكية للحملة، وتحديد الزاوية التي يُقدَّم بها الفيلم للجمهور الدولي. مصر تاريخيًا منتظمة في إرسال أفلامها للأوسكار، لكنها لم تصل بعد إلى ترشيح نهائي في فئة أفضل فيلم دولي، وهو ما يجعل أي حملة جديدة مطالبة بخلق تميّز حقيقي لا بمجرد المشاركة.

  • ميزة الفيلم: قصته الإنسانية واضحة وسهلة التلقي عبر الثقافات.
  • ميزة ثانية: له هوية مصرية صريحة من دون انغلاق محلي.
  • التحدي: المنافسة العالمية عادة ما تكون شرسة، وتحتاج إلى زخم نقدي وتسويقي مستمر.
  • التحدي الآخر: الأفلام الهادئة والعاطفية تحتاج من يتبناها بذكاء حتى لا تضيع وسط الأعمال الأعلى صخبًا.

وماذا عن الجمهور المصري؟

من اللافت أن رحلة الفيلم لم تتوقف عند دور العرض. فقد كُشف عن بوستر العمل الرسمي قبل طرحه في السينمات المصرية يوم 17 يونيو 2026، ثم أصبح متاحًا رقميًا على منصة شاهد بدءًا من 17 سبتمبر 2026. هذا الانتقال مهم لأنه يوسع قاعدة المشاهدة محليًا وعربيًا، ويمنح الفيلم حياة ثانية في توقيت متزامن تقريبًا مع خبر الأوسكار، بما يساعد على إعادة إنتاج النقاش حوله داخل مصر لا خارجها فقط.

وهنا تكمن نقطة شديدة الأهمية للقارئ المصري: إذا أرادت السينما المصرية أن تغيّر صورتها عالميًا، فلا يكفي أن ترسل فيلمًا جيدًا إلى الخارج؛ بل يجب أيضًا أن تعيد بناء علاقتها محليًا مع الأفلام التي تراهن على الجودة والهوية والاختلاف. «القصص» يبدو اختبارًا حقيقيًا لهذه المعادلة.

الخلاصة: هل يعيد «القصص» تعريف صورة السينما المصرية عالميًا هذا الموسم؟

الإجابة الأدق: قد يفعل ذلك، إذا استُثمرت نقاط قوته جيدًا. الفيلم لا يقدّم “مصر المعلبة” التي ينتظرها البعض، ولا يلهث خلف صورة متعمدة لإرضاء الذائقة الأجنبية. بالعكس، قوته الأساسية أنه يستعيد مصر من الداخل: في رسائلها، موسيقاها، عائلاتها، أحلامها المؤجلة، وتحوّلاتها التي تنعكس على الأفراد قبل الشعارات.

لهذا يبدو «القصص» أكثر من مجرد مرشح رسمي. إنه اختبار لصورة أخرى للسينما المصرية: سينما محلية الجذور، عالمية الحساسية، وإنسانية من دون افتعال. وإذا نجح هذا الخطاب في الوصول إلى دوائر الأوسكار، فقد لا يكون أهم ما يحققه الفيلم هو التقدم في السباق فقط، بل تثبيت فكرة أن الفيلم المصري القادر على المنافسة عالميًا ليس بالضرورة الأكثر ضجيجًا، بل ربما الأكثر صدقًا.