Egypt Box Office

برنامج «إنه شبح الـ..» يعيد الوثائقي المصري إلى الواجهة

برنامج مصري يسبق المهرجان ويعيد ترتيب الأولويات

في توقيت محسوب بدقة، انطلق في سينما زاوية بوسط البلد برنامج «إنه شبح الـ..» ليستمر من 1 إلى 8 نوفمبر، مقدمًا عروضًا وثائقية مصرية مجانية يوميًا يتبعها لقاءات مفتوحة مع صناع الأفلام وضيوف النقاش. أهمية الخطوة لا تتوقف عند مجانية الدخول، بل تمتد إلى أنها تأتي قبل أيام قليلة من الدورة السابعة والأربعين لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي المقررة بين 11 و20 نوفمبر 2026، وفي لحظة تتسع فيها خريطة عروض المهرجان نفسها لتشمل زاوية ضمن دور العرض المستضيفة.

هذا التتابع الزمني يمنح البرنامج وزنًا خاصًا داخل الموسم السينمائي في القاهرة: الجمهور يبدأ من الوثائقي المصري في فضاء مستقل وحميم، ثم ينتقل بعد ذلك إلى الزخم الدولي الأكبر للمهرجان. وبين المحطتين، تصبح زاوية، الكائنة في 15 شارع عماد الدين بوسط البلد، مساحة لالتقاط سؤال مهم: أين يقف الوثائقي المصري اليوم داخل المشهد السينمائي المحلي؟

لماذا يبدو «إنه شبح الـ..» أكثر من مجرد برنامج عروض؟

المتاح من المعلومات المنشورة عن البرنامج يشير إلى أنه ليس برمجة عابرة، بل جزء من تصور بحثي أوسع. فالبرنامج من إعداد محمد هوجلا-كلفت، ويرتبط بمشروعه البحثي القيمي «الكادر: السينما المصرية وأشباح الشيوعية» ضمن زمالة مع شبكة الشاشات العربية البديلة «ناس» خلال 2025-2026. هذا يفسر نبرة الاختيار نفسها: أفلام وثائقية، ذاكرة سياسية واجتماعية، وأعمال تستدعي الماضي لا بوصفه أرشيفًا مغلقًا، بل بوصفه مادة حية للنقاش العام.

الرهان هنا مزدوج. من جهة، هناك إتاحة مجانية تكسر الحاجز الاقتصادي الذي كثيرًا ما يقلص جمهور الوثائقي. ومن جهة ثانية، هناك نقاش بعد العرض يعيد الفيلم إلى وظيفته الأصلية كأداة حوار ومعرفة، لا مجرد مشاهدة عابرة. في سياق مصري اعتاد أن تُدفع فيه الأفلام الروائية التجارية إلى الواجهة، تبدو هذه الصيغة أقرب إلى إعادة توازن داخل الموسم، خصوصًا مع اقتراب حدث بحجم مهرجان القاهرة السينمائي.

فيلم «في ستوديو مصر» كنقطة ارتكاز واضحة

من أبرز العناوين المؤكدة داخل البرنامج عرض الفيلم الوثائقي الطويل «في ستوديو مصر» للمخرجة منى أسعد يوم 6 نوفمبر، على أن يعقبه نقاش مع منى أسعد وهالة جلال. اختيار هذا الفيلم تحديدًا يكشف كثيرًا من روح البرنامج؛ فهو عمل يعود إلى واحد من أكثر الأماكن رسوخًا في الذاكرة السينمائية المصرية: ستوديو مصر.

الفيلم، بحسب بياناته المنشورة، يتناول لحظة طرح ستوديو مصر للخصخصة عام 2000 بعد عقود من إدارة القطاع العام، ثم يتابع تجربة فريق من الشباب العاملين بالسينما الذين حاولوا إعادة تحديثه، قبل أن يتأمل العمل هذه المغامرة بعد نحو خمسة عشر عامًا. بذلك لا يصبح الفيلم مجرد استعادة لمبنى أو مؤسسة، بل قراءة في علاقة السينما المصرية بنفسها: الصناعة، البنية التحتية، الحلم، والتعثر.

وهنا تكتسب المناقشة التالية للعرض قيمة إضافية. فحين يُعرض فيلم عن ستوديو مصر داخل موسم يتهيأ فيه جمهور القاهرة لمتابعة عشرات الأفلام في المهرجان، يصبح السؤال أكبر من الفيلم نفسه: كيف تُبنى صناعة قادرة على حفظ ذاكرتها وفي الوقت نفسه إنتاج مستقبلها؟

كيف يضع البرنامج الوثائقي المصري في قلب موسم القاهرة السينمائي؟

1) لأنه يسبق المهرجان ولا ينعزل عنه

الدورة الـ47 من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي ستقام من 11 إلى 20 نوفمبر 2026، وقد أُعلن رسميًا انضمام سينما زاوية إلى دور العرض المستضيفة لأفلامها. هذا يعني أن زاوية ليست على هامش الموسم، بل في صلبه. وعندما تستضيف قبل المهرجان مباشرة برنامجًا مجانيًا مخصصًا للوثائقي المصري، فهي عمليًا تهيئ جمهورًا أكثر استعدادًا لمتابعة هذا النوع من الأفلام والتفاعل معه.

2) لأنه ينقل الوثائقي من النخبوية إلى المجال العام

العرض المجاني ليس تفصيلًا تنظيميًا صغيرًا. في مدينة ترتفع فيها تكاليف الترفيه والتنقل، يصبح فتح الباب بلا تذكرة بمثابة إعلان واضح أن الفيلم الوثائقي ليس فنًا موجهًا لدوائر مغلقة فقط. الجمهور هنا متنوع: طلاب، صناع أفلام شباب، نقاد، ورواد وسط البلد الذين قد يقررون دخول العرض بدافع الفضول قبل أي شيء آخر.

3) لأنه يعيد قيمة «اللقاء» إلى التجربة السينمائية

أحد أهم أسباب تراجع حضور الوثائقي تجاريًا هو أنه لا ينافس بالضرورة على منطق النجومية نفسه الذي يروّج للأفلام الروائية. لكن اللقاءات المفتوحة تعوّض ذلك بنوع آخر من الجاذبية: جاذبية الحوار المباشر. حين يجلس المخرج أو الضيف بعد العرض لمناقشة الخلفيات والاختيارات والسياق، يتحول الفيلم إلى حدث ثقافي كامل، لا مجرد عنوان على جدول.

زاوية ووسط البلد: المكان جزء من الرسالة

لا يمكن فصل البرنامج عن مكانه. سينما زاوية (@zawyacinema على إنستغرام) رسخت موقعها خلال السنوات الماضية كواحدة من أهم منصات عرض السينما المستقلة والبديلة في مصر. وجودها في وسط البلد يمنحها أيضًا بعدًا رمزيًا؛ فهذه المنطقة ظلت تاريخيًا قلبًا للحياة الثقافية والسينمائية في القاهرة. من هنا، فإن إقامة برنامج عن الوثائقي المصري في زاوية لا تبدو مجرد استضافة لحدث، بل استعادة لعلاقة قديمة بين المدينة والسينما والنقاش العام.

كما أن اختيار التوقيت قبل انطلاق المهرجان يربط بين مستويين من المشاهدة: مستوى محلي شديد الخصوصية يتناول التاريخ المصري من داخل أفلامه، ومستوى دولي أوسع ستفتحه لاحقًا عروض مهرجان القاهرة. والنتيجة أن الوثائقي المصري لا يظهر هنا كفقرة جانبية، بل كبوابة دخول إلى الموسم كله.

ما الذي يكسبه الجمهور المصري من هذه الصيغة؟

  • إتاحة أوسع: مجانية العروض تخفض كلفة الوصول إلى أفلام نادرًا ما تحظى بتوزيع جماهيري واسع.
  • فهم أعمق: النقاشات اللاحقة تمنح المشاهد مفاتيح قراءة تتجاوز الانطباع الأول.
  • استعادة الذاكرة: أفلام مثل «في ستوديو مصر» تربط الحاضر بتاريخ الصناعة نفسها.
  • جسر إلى المهرجان: البرنامج يعمل كتمهيد ثقافي وذائقي قبل بدء عروض مهرجان القاهرة السينمائي.

بين العروض المجانية والمهرجان: لحظة لصالح الوثائقي

القيمة الحقيقية لبرنامج «إنه شبح الـ..» أنه لا يكتفي بعرض أفلام وثائقية مصرية، بل يعيد وضعها في السياق الذي تستحقه: سياق موسم سينمائي مزدحم عادةً بالعناوين الكبرى والبريق الإعلامي. هنا، يأتي الوثائقي من الباب الأمامي، مدعومًا بمجانية الدخول، وبنقاشات مفتوحة، وبمكان يعرف جمهوره جيدًا ويعرف كيف يصنع جمهورًا جديدًا أيضًا.

ومع اقتراب انطلاق مهرجان القاهرة السينمائي الدولي (@cairoiffofficial على إنستغرام)، تبدو الرسالة أوضح من أي وقت مضى: لا موسم سينمائي مصري مكتملًا من دون الوثائقي المصري، ولا احتفاء حقيقي بالسينما من دون مساحة تسمح للأفلام بأن تُشاهَد وتُناقَش وتُستعاد كجزء من الذاكرة العامة. لهذا تحديدًا، يبدو ما يحدث في زاوية حتى 8 نوفمبر أكثر من برنامج مصاحب؛ إنه إعادة تموضع ذكية للوثائقي المصري في قلب المشهد، وفي التوقيت الأنسب تمامًا.