برمجة نوفمبر على Criterion تحتفي بنيكولاس كيدج وكبار المؤلفين
Criterion Channel تراهن في نوفمبر على النجوم المؤلفين وتيارات السينما الحديثة
أعلنت The Criterion Collection (@criterioncollection على إنستغرام) عن برمجة Criterion Channel لشهر نوفمبر 2026 في 19 أكتوبر 2026، وهي قائمة تبدو مصممة خصيصًا لعشاق المشاهدة الانتقائية أكثر من جمهور العناوين السريعة. الجديد هذا الشهر لا يقتصر على إضافة أفلام معروفة، بل يقوم على فكرة نقدية واضحة: الربط بين تاريخ السينما ومسارات تطورها، من انتقال مخرجي الفيديو كليب إلى الأفلام الطويلة، وصولًا إلى إعادة اكتشاف نجوم ومخرجين تركوا بصمتهم بأساليب شديدة الخصوصية. وضمن هذه البرمجة، يتصدر نيكولاس كيدج المشهد بملف استرجاعي كبير، إلى جانب برنامج خاص بالممثلة الكلاسيكية جين تيرني، ووقفة مطولة مع أعمال السويدي روي أندرسون، فضلًا عن مجموعة مكرسة للمخرج الياباني ريوسوكي هاماجوتشي.
ومن زاوية تخص قارئ السينما في مصر، تبدو هذه البرمجة لافتة لأنها لا تروّج فقط لأسماء كبيرة، بل تفتح بابًا لإعادة النقاش حول علاقة الأداء التمثيلي بالشكل الإخراجي، وحول كيف تتكوّن “الكانون” السينمائية على المنصات المتخصصة. كما أن Criterion تؤكد في صفحتها التعريفية أن خدمتها لا تقتصر على الأفلام، بل تضم أيضًا مئات الأفلام القصيرة وآلاف المواد المرافقة مثل المقابلات والتعليقات الصوتية والمواد الأرشيفية، وهو ما يجعل تجربة المشاهدة أقرب إلى مكتبة سينمائية رقمية كاملة.
نيكولاس كيدج في الواجهة: ممثل يصعب احتواؤه داخل تصنيف واحد
البرنامج الأبرز في قائمة نوفمبر هو بلا شك قسم Starring Nicolas Cage المخصص لأفلام نيكولاس كيدج. Criterion تصف كيدج باعتباره أحد أكثر الممثلين الأميركيين خروجًا عن المألوف، وتعيد تقديم مسيرته عبر عناوين تمتد من البدايات في الثمانينيات إلى أدواره الأكثر غرابة ونضجًا في التسعينيات والألفية الجديدة. القائمة تضم Valley Girl وBirdy وMoonstruck وRaising Arizona وWild at Heart وLeaving Las Vegas وAdaptation. وMatchstick Men وBad Lieutenant: Port of Call New Orleans، بما يوضح اتساع المساحة التي شغلها كيدج بين السينما التجارية وسينما المؤلف.
أهمية هذه الاستعادة لا تعود فقط إلى شعبية كيدج، بل إلى أنه من القلائل الذين يمكن تتبعهم نقديًا كظاهرة أداء مستقلة. فالفيلم عنده لا يعتمد على “الحضور النجمي” بالمعنى التقليدي فقط، بل على قدرة شبه فوضوية على تغيير إيقاع المشهد نفسه. لهذا تبدو برمجة Criterion ذكية؛ فهي لا تختار أفلامه الأكثر نجاحًا جماهيريًا فحسب، بل الأعمال التي تكشف تحوله من ممثل واعد إلى نجم ذي مدرسة شخصية في الأداء. وهذا مهم للقارئ العربي عمومًا والمصري خصوصًا، لأن أفلام كيدج ظلت لسنوات جزءًا من ذاكرة المشاهدة التلفزيونية والـDVD، لكن نادرًا ما جرى تجميعها داخل سياق نقدي واحد بهذا الوضوح.
من MTV إلى هوليوود: حين صار الفيديو كليب مختبرًا للسينما
إحدى أكثر الأفكار جاذبية في برمجة نوفمبر هي برنامج From MTV to Hollywood. الفكرة هنا لا تدور حول الحنين إلى عصر الفيديو كليب فقط، بل حول النظر إليه بوصفه معملًا بصريًا خرّج أسماء انتقلت لاحقًا إلى الأفلام الطويلة. Criterion تجمع في هذا القسم أعمالًا لمخرجين مثل David Fincher وSpike Jonze وMichel Gondry وHype Williams، مع أفلام مثل Se7en وBeing John Malkovich وThe Cell وEternal Sunshine of the Spotless Mind وBelly.
هذه الفكرة بالذات تستحق التوقف لأنها تشرح، بصورة عملية، كيف أعادت الثقافة البصرية في التسعينيات وبدايات الألفية تشكيل لغة السينما. الإيقاع السريع، التكوينات المشبعة بالألوان، المونتاج الحاد، والرهان على الصورة بوصفها مركز المعنى، كلها عناصر خرجت من الفيديو الموسيقي إلى الفيلم الروائي. وبالنسبة لقراء قسم مراجعات الأفلام، فالقيمة هنا ليست خبرية فقط، بل تحليلية أيضًا: البرمجة تقترح قراءة للأفلام من خلال أصول صنّاعها، لا من خلال شهرتها وحدها.
جين تيرني: استعادة مستحقة لنجمة العصر الذهبي
في المقابل، تخصص المنصة ملفًا كاملًا للممثلة الأميركية جين تيرني، إحدى أيقونات هوليوود الكلاسيكية. البرنامج يضم Laura وLeave Her to Heaven وDragonwyck وThe Ghost and Mrs. Muir وNight and the City وWhere the Sidewalk Ends، وهي أعمال تكشف كيف جمعت تيرني بين الرقة الشكلية والغموض النفسي، خصوصًا داخل أفلام النوار والميلودراما القاتمة.
هذه الاستعادة مهمة لأن تيرني ليست اسمًا يُستدعى كثيرًا في النقاشات العربية مقارنة بنجمات أكثر حضورًا في الذاكرة الشعبية، رغم أن أفلامها كانت من الأعمدة الأساسية لتطور صورة المرأة المعقدة في هوليوود الأربعينيات والخمسينيات. واختيار Criterion لهذه العناوين تحديدًا يعيد إبرازها كممثلة لعبت أدوارًا تتجاوز الجمال الكلاسيكي إلى مناطق أشد التباسًا وخطورة.
روي أندرسون وهاماجوتشي: مساران مختلفان لفكرة السينما المؤلفة
ضمن قسم المخرجين، تأتي مجموعة Roy Andersson’s Existential Comedies لتعيد وضع السينمائي السويدي روي أندرسون في الواجهة عبر أفلام مثل A Swedish Love Story وSongs from the Second Floor وYou, the Living وA Pigeon Sat on a Branch Reflecting on Existence وAbout Endlessness. البرنامج يبرز بشكل خاص ما يُعرف بثلاثية “الحياة”، حيث تتحول الكوميديا السوداء إلى تأمل قاسٍ ومركب في العزلة والعبث والوجود الحديث.
أما المخرج الياباني ريوسوكي هاماجوتشي، فتجمع له المنصة ثلاثة أعمال هي Happy Hour وDrive My Car وEvil Does Not Exist. ويكتسب هذا الاختيار وزنًا إضافيًا لأن Drive My Car حصد جائزة الأوسكار لأفضل فيلم دولي في حفل 2022، وهو ما رسّخ اسم هاماجوتشي عالميًا خارج الدوائر المهرجانية الضيقة. وجود الأفلام الثلاثة معًا يسمح بقراءة أكثر تماسكًا لطريقته في التعامل مع الزمن والحوار والعلاقات الإنسانية.
تحية إلى جيريمي توماس بعد رحيله
البرمجة لا تخلو كذلك من بعد تذكاري واضح، إذ تضم تحية للمنتج البريطاني جيريمي توماس بعد وفاته في 11 سبتمبر 2026 عن عمر 77 عامًا. Criterion تستعيد في هذا الملف جانبًا من أثره عبر عناوين مثل The Shout وBad Timing وMerry Christmas, Mr. Lawrence وThe Last Emperor وSexy Beast، وهي أفلام تكشف حجم دوره في دعم سينما فنية جريئة امتدت عبر عقود. كما أن مؤسسات سينمائية أوروبية عدة، بينها الأكاديمية الأوروبية للسينما، نعت توماس بوصفه أحد أبرز المنتجين الذين منحوا المخرجين مساحة حقيقية للمغامرة الفنية.
لماذا تهم هذه البرمجة متابع السينما في مصر؟
في سياق المتابعة النقدية من مصر، تكشف برمجة نوفمبر على Criterion Channel عن اتجاه مهم في عالم المنصات: العودة إلى فكرة “البرنامج” بدلًا من الاكتفاء بمبدأ “المكتبة المفتوحة”. أي أن القيمة لا تكون فقط في عدد الأفلام، بل في طريقة تنظيمها وربطها بتاريخ السينما ومدارسها. بالنسبة للمتابع المصري الذي يهتم بالنقد وتاريخ الصورة، فإن هذه النوعية من البرمجة تقدم نموذجًا مختلفًا عن المنصات العامة التي تعتمد غالبًا على الضخ الكمي والعناوين الأكثر تداولًا.
الخلاصة أن نوفمبر 2026 على Criterion Channel يبدو شهرًا غنيًا فعلًا لعشاق السينما: نيكولاس كيدج كظاهرة أداء، جين تيرني كوجه ذهبي يستحق إعادة الاكتشاف، روي أندرسون كصانع كوميديا وجودية فريدة، وريوسوكي هاماجوتشي كمخرج يواصل ترسيخ حضوره العالمي. إنها برمجة لا تكتفي بالاستعراض، بل تدعو إلى المشاهدة المقارنة وإعادة التفكير في تاريخ الأفلام نفسها.