Egypt Box Office

«برلين» يعيد أحمد عبدالله إلى القاهرة: لماذا اللحظة مهمة؟

عودة لها معنى داخل مهرجان يعرف المخرج جيدًا

اختيار فيلم «برلين» للمخرج المصري أحمد عبدالله السيد ضمن المسابقة الرسمية للدورة السابعة والأربعين من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، المقرر إقامتها من 11 إلى 20 نوفمبر 2026، ليس مجرد إضافة اسم جديد إلى قائمة الأفلام المتنافسة. الخبر يكتسب وزنه الحقيقي من طبيعة العلاقة الطويلة بين المخرج والمهرجان، ومن طبيعة اللحظة التي تمر بها السينما المصرية نفسها الآن، وهي لحظة تبحث فيها الصناعة عن توازن صعب بين الحضور الجماهيري، والجرأة الفنية، والقدرة على المنافسة الدولية.

المهرجان أعلن برنامج المسابقة الدولية لدورته الـ47 في 11 أكتوبر 2026، بالتزامن مع مرور 50 عامًا على انطلاق دورته الأولى عام 1976. وضمن هذه القائمة حضر «برلين» كواحد من الأفلام المصرية الأبرز المنتظرة، بزمن عرض يبلغ 94 دقيقة، بينما تستضيف الدورة الحالية فعالياتها في القاهرة تحت المظلة الرسمية للمهرجان المقام بدار الأوبرا المصرية.

ما الذي نعرفه عن «برلين» حتى الآن؟

بحسب التفاصيل المعلنة، الفيلم من تأليف وإخراج أحمد عبدالله السيد، وبطولة منة شلبي ويسرا اللوزي، إلى جانب حيدر حلو ومحمد حاتم وفارس الحلو وفدوى عابد وجهاد حسام الدين ورائد ياسين. ويتولى مصطفى الشيشتاوي إدارة التصوير، وسارة عبد الله المونتاج. كما يضم المشروع إنتاجًا من سيرة فيلمز بقيادة قسمات السيد وفيلم كلينك بقيادة محمد حفظي، مع مشاركة منة شلبي في الإنتاج المشارك، إلى جانب يسري اللوزي وحيدر حلو ومحمد حاتم، بينما تتولى التوزيع فيلم كلينك للتوزيع المستقل وأرابيا بيكتشرز. والفيلم إنتاج مصري-ألماني-سعودي.

أما على مستوى الحكاية، فتدور أحداث «برلين» خلال يوم واحد في العاصمة الألمانية، حيث يعيش ثلاثة مهاجرين عرب يومًا سرياليًا تتداخل فيه الذاكرة مع الانتقام والالتباس والهويات المتحركة. هذا الملخص وحده يكشف أن أحمد عبدالله لا يعود بفيلم تقليدي، بل بعمل يواصل اهتمامه بالمدن، والهامش، والهوية، والشخصيات التي تعيش على تخوم الانتماء.

منة شلبي ويسرا اللوزي: ثقل تمثيلي يخدم مشروعًا مؤلفًا

من أهم ما يمنح «برلين» ثقله المبكر أنه يجمع بين منة شلبي ويسرا اللوزي. منة شلبي سبق أن ارتبط اسمها بمهرجان القاهرة نفسه، وحصلت من قبل على جائزة فاتن حمامة للتميز من المهرجان، كما أن علاقتها بأفلام المؤلف والبطولات المركبة معروفة في مسيرتها. وجودها هنا لا يبدو اختيارًا نجوميًا فقط، بل جزءًا من رهان على أداء قادر على حمل مناطق التوتر النفسي والغرابة السردية التي توحي بها قصة الفيلم.

كذلك تمثل يسرا اللوزي إضافة مهمة، خصوصًا أن تاريخها في السينما يضم مشاركات بارزة في أفلام تنتمي إلى الحس المستقل أو البديل، ومنها «ميكروفون» نفسه مع أحمد عبدالله. هذه العودة إلى التعاون بين المخرج وبعض الوجوه القادرة على الاشتباك مع عالمه، تمنح «برلين» بعدًا إضافيًا: ليس فقط فيلمًا جديدًا، بل أيضًا امتدادًا لمسار تشكل عبر سنوات.

لماذا عودة أحمد عبدالله للمهرجان حدث مهم الآن؟

1) لأن علاقته بالقاهرة السينمائي ليست طارئة

أهمية العودة تبدأ من التاريخ المشترك. التقارير المنشورة عن الفيلم تشير إلى أن مهرجان القاهرة شهد عرض الأفلام الروائية الطويلة السبعة السابقة لأحمد عبدالله السيد. هذا يعني أننا أمام مخرج بنى جانبًا أساسيًا من حضوره المصري عبر هذا المنبر تحديدًا، لا عبر مرور عابر. لذلك فإن عودته في الدورة 47، وفي سنة تحمل رمزية مرور نصف قرن على تأسيس المهرجان، تبدو وكأنها استعادة لخيط قديم بين مهرجان يسعى لتأكيد مكانته، ومخرج يمثل أحد أبرز أصوات السينما المصرية الحديثة.

2) لأن السينما المصرية تحتاج اليوم إلى أفلام وسط المسافة بين التجاري الخالص والتجريب المغلق

أحمد عبدالله ليس اسمًا جديدًا على المتابعين. في رصيده أفلام مثل «هليوبوليس» و«ميكروفون» و«فرش وغطا» و«ديكور» و«ليل/خارجي» و«19ب». هذا المسار مهم لأن صاحبه لم يكتفِ بتكرار صيغة واحدة؛ فقد انتقل بين أفلام شديدة الارتباط بالمدينة المصرية، وأخرى أكثر تجريدًا بصريًا، مع محافظة عامة على نزعة مؤلف واضحة.

اليوم، وفي وقت تميل فيه السوق بقوة إلى أنواع محددة من الأفلام السريعة الجذب، تصبح عودة مخرج مثل أحمد عبدالله إلى المسابقة الرسمية حدثًا مهمًا لأنها تذكّر بوجود مساحة ثالثة: سينما مصرية قادرة على التفكير في اللغة والشكل والموضوع، من دون الانفصال الكامل عن الممثل المعروف أو الإنتاج المنظم أو فرص التوزيع.

3) لأن «برلين» يطرح سؤال الهوية المصرية من خارج الحدود

رغم أن الأحداث تقع في ألمانيا، فإن زاوية الفيلم تظل مصرية وعربية بوضوح من خلال شخصياته وصنّاعه وإنتاجه المشترك. وهذه نقطة مهمة للغاية للقارئ المصري: الفيلم لا يخرج من نطاق «شباك التذاكر» المحلي لمجرد أن مكانه برلين، لأن موضوعه الأساسي يرتبط بتجربة المهاجر العربي، وبصوت مخرج مصري، وبطلات وممثلين من المنطقة، وبوجود إنتاج مصري حاضر بقوة. في لحظة تتوسع فيها خبرات المصريين والعرب بين الداخل والخارج، تصبح هذه الحكايات أكثر التصاقًا بواقعنا لا أقل.

ماذا يقول اختيار «برلين» عن وضع المهرجان نفسه؟

اختيار «برلين» داخل المسابقة الرسمية يلفت أيضًا إلى اتجاه برمجي واضح في مهرجان القاهرة 2026. فالمسابقة الدولية تضم هذا العام 12 فيلمًا حتى الآن وفق القوائم المنشورة، بينها أعمال من دول وتجارب متعددة، وبينها كذلك حضور مصري لافت عبر «برلين» و«البرانية». هذا مهم لأن المهرجان، بصفته الأقدم والأكثر رسوخًا في مصر، لا يكتفي بعرض الأفلام العالمية، بل يضع الفيلم المصري داخل ساحة المنافسة الرئيسية نفسها.

ومن الناحية المؤسسية، تبدو الدورة السابعة والأربعون ذات دلالة خاصة؛ فالموقع الرسمي للمهرجان يقدّمها بوصفها دورة نشطة على مستوى البرنامج والصناعة معًا، من خلال أيام القاهرة لصناعة السينما وملتقى القاهرة السينمائي وبرامج التطوير. أي أن عودة أحمد عبدالله لا تأتي في فراغ، بل ضمن بنية مهرجانية تحاول ربط العرض السينمائي بالإنتاج المشترك والتطوير المهني وحركة السوق.

بين «ميكروفون» و«19ب» و«برلين»: مسار مخرج لا يحب الثبات

إذا نظرنا إلى مسيرة أحمد عبدالله، سنجد أن قيمته داخل السينما المصرية جاءت من قدرته على التقاط تحولات المجتمع والمدينة في لحظات مختلفة. «ميكروفون» كان وثيقة فنية عن الإسكندرية البديلة ومشهدها المستقل، و«فرش وغطا» حمل أثر الاضطراب الاجتماعي بعد 2011، بينما ذهب «ديكور» إلى منطقة أكثر تجريبًا وأناقة بصرية، ثم جاء «19ب» بفكرة تبدو صغيرة من الخارج لكنها واسعة التأمل إنسانيًا.

من هنا، يمكن فهم أهمية «برلين» باعتباره خطوة جديدة لا تستنسخ ما سبقها. فالفيلم يتحرك خارج القاهرة والإسكندرية هذه المرة، لكنه لا يتخلى عن أسئلة أحمد عبدالله الأساسية: من نحن عندما نغادر المكان؟ ماذا تفعل المدن الغريبة بذاكرتنا؟ وكيف يمكن للسينما المصرية أن تحكي عن الهجرة والالتباس والهوية من دون أن تفقد خصوصيتها؟

الخلاصة: لماذا يستحق الخبر المتابعة؟

لأن «برلين» ليس مجرد عنوان في برنامج مهرجان. هو عودة مخرج مصري صاحب مشروع إلى المسابقة الرسمية في مهرجان بلده، في دورة تحمل رمزية مرور خمسين عامًا على انطلاق المهرجان، ومع فريق تمثيل وإنتاج يملك وزنًا حقيقيًا داخل الصناعة. والأهم أنه يأتي في لحظة تحتاج فيها السينما المصرية إلى أعمال تُعيد فتح النقاش حول معنى الفيلم المصري المعاصر: هل يكتفي بالمنافسة التجارية؟ أم يستطيع أيضًا أن يكون جريئًا، متنقلًا، وعابرًا للحدود، من دون أن يفقد جذوره؟

في هذا المعنى تحديدًا، تبدو عودة أحمد عبدالله السيد إلى مهرجان القاهرة السينمائي 2026 حدثًا مهمًا الآن، ليس فقط لأنها تخص مخرجًا له تاريخه، بل لأنها تمس السؤال الأكبر: إلى أين تتجه السينما المصرية في السنوات المقبلة؟