«إيديوكراسي» يتصدر استطلاعًا عن الفيلم الأصدق لأمريكا
فيلم ساخر من 2006 يعود لواجهة النقاش الأمريكي
عاد فيلم Idiocracy، وهو العمل الساخر الذي أخرجه وشارك في كتابته مايك جادج، إلى صدارة الحديث السينمائي بعد أن تصدّر استطلاعًا لقرّاء نيويورك تايمز حول الفيلم الذي يعبّر بأوضح صورة عن الولايات المتحدة مع اقتراب الذكرى رقم 250 لتأسيسها، بحسب ما تداوله التقرير الأصلي عن الاستطلاع. وبينما ضمّت الترشيحات عناوين أمريكية كبرى من مدارس واتجاهات مختلفة، بدا فوز هذا الفيلم تحديدًا لافتًا لأنه لم يكن يومًا من أفلام الإجماع النقدي أو النجاح الجماهيري عند طرحه الأول.
من زاوية مراجعات الأفلام، الخبر لا يخص نتيجة استطلاع فحسب، بل يسلّط الضوء على ظاهرة أكثر إثارة: كيف يتحوّل فيلم استقبله السوق ببرود شديد إلى عمل مرجعي يُستدعى كلما أراد الجمهور تفسير مزاج سياسي واجتماعي مرتبك. فـIdiocracy لم يعد يُقرأ اليوم ككوميديا خيال علمي فقط، بل كمرآة ساخرة يرى فيها كثيرون صورة مبالغًا فيها، لكنها غير بعيدة تمامًا، عن خطاب عام يتراجع فيه العقل لصالح الضجيج.
ما الذي يجعل «إيديوكراسي» حاضرًا الآن؟
صدر الفيلم في الولايات المتحدة يوم 1 سبتمبر 2006، وتبلغ مدته 84 دقيقة. قام ببطولته Luke Wilson في دور جو باورز، ومعه Maya Rudolph وDax Shepard وTerry Crews في دور الرئيس كاماشو، بينما شارك جادج في الكتابة إلى جانب Etan Cohen. وتؤكد قواعد بيانات الأفلام أن العمل ينتمي إلى خليط من الكوميديا والخيال العلمي والسخرية السياسية، وهو الخليط نفسه الذي منحه عمرًا أطول من عمر عرضه التجاري القصير.
فكرة الفيلم تقوم على رجل عادي يدخل في تجربة سبات طويلة، ثم يستيقظ في مستقبل انهارت فيه المعايير التعليمية والثقافية إلى درجة يصبح معها هو الشخص الأكثر عقلانية تقريبًا. هذه الحبكة تبدو بسيطة، لكن تنفيذها يعتمد على تضخيم العبث الأمريكي الاستهلاكي والإعلامي إلى أقصى درجة: لغة مبتذلة، مؤسسات مترهلة، شركات تسيطر على المجال العام، وسياسة أقرب إلى الاستعراض منها إلى الإدارة. ولهذا السبب بالذات عاد اسم الفيلم بقوة في السنوات الأخيرة كلما احتدم الجدل حول الشعبوية، وتراجع الثقة في المؤسسات، وهي قراءة تفسيرية مستمدة من طريقة تداول الفيلم اليوم أكثر من كونها تصريحًا رسميًا من صناعه.
من فشل شباك التذاكر إلى صفة «فيلم عبادة»
الأكثر إثارة أن Idiocracy لم يكن نجاحًا عند إصداره. أرقام Box Office Mojo تشير إلى أن إيراداته العالمية توقفت عند نحو 495,652 دولارًا فقط، منها 444,093 دولارًا في السوق الأمريكية، وهي حصيلة متواضعة للغاية لفيلم روائي من إنتاج وتوزيع 20th Century Fox. هذا الأداء التجاري الضعيف يفسر لماذا ظل الفيلم لسنوات في هامش الذاكرة السينمائية قبل أن تعيد له المشاهدة المنزلية والإنترنت حياة ثانية.
لكن المفارقة أن استقبال الفيلم تحسّن بمرور الوقت. صفحة الفيلم على Rotten Tomatoes تُظهر تقييمًا نقديًا مرتفعًا نسبيًا بلغ 71%، مع تقييم جمهور عند 61%، وهو ما يعكس مكانته الحالية كعمل اكتسب تقديرًا متأخرًا. هذا النمط ليس جديدًا تمامًا في مسيرة مايك جادج؛ ففيلمه Office Space الصادر عام 1999 يُنظر إليه اليوم أيضًا باعتباره من كلاسيكيات السخرية من بيئة العمل الأمريكية، رغم أنه لم يبدأ رحلته بهذا الزخم نفسه.
قراءة نقدية: لماذا اختاره القراء بدلًا من الكلاسيكيات؟
وفق مضمون الخبر الأصلي، جاء Idiocracy متقدمًا على أفلام أمريكية ثقيلة الحضور مثل The Godfather وEasy Rider وAmerican Graffiti وDo the Right Thing، إلى جانب عناوين أخرى حضرت في الإجابات المتكررة مثل Network وThe Grapes of Wrath وTo Kill a Mockingbird وDr. Strangelove. ولا يمكن التحقق من ترتيب كل هذه العناوين من موقع نيويورك تايمز مباشرة هنا بسبب قيود الوصول، لذلك الأفضل التعامل معها بوصفها التفاصيل الواردة في مادة الاستطلاع الأصلية كما انتشرت في التغطية المرتبطة به.
مع ذلك، تبقى دلالة الاختيار واضحة من منظور نقدي: القراء لم يختاروا الفيلم «الأفضل» فنيًا بالضرورة، بل الفيلم الذي يلتقط مزاجًا عامًا. وهنا تكمن قوة Idiocracy. هو ليس فيلمًا دقيقًا في تنبؤاته بقدر ما هو بارع في التكثيف الكاريكاتيري لعناصر يشعر قطاع من الجمهور الأمريكي أنها صارت مألوفة: ضوضاء إعلامية، تسييس للجهل، وهيمنة منطق السوق على كل شيء. هذا لا يجعل الفيلم نبوءة سينمائية بقدر ما يجعله اختصارًا شعوريًا لمرحلة كاملة.
أين يقف الفيلم فنيًا اليوم؟
بعيدًا عن الاستطلاعات، ما يزال Idiocracy فيلمًا منقسمًا عليه. بعض المشاهدين يرونه ذكيًا في سخريته، بينما يعتبره آخرون مباشرًا أكثر من اللازم، ويعتمد على الفكرة أكثر من البناء الدرامي المعقّد. لكن حتى من يتحفظون عليه يعترفون عادة بأن شخصية الرئيس كاماشو التي قدّمها Terry Crews، وكذلك تصميم العالم المستقبلي المبتذل، منحا الفيلم طابعًا بصريًا وتهكميًا صعب النسيان. وهذا جانب مهم في أي مراجعة: الفيلم قد لا يكون متقنًا بالكامل، لكنه واضح الهوية على نحو نادر.
للقارئ المصري، ربما تبدو جاذبية الفيلم مفهومة لأن السخرية السياسية والاجتماعية العابرة للحدود غالبًا ما تعيش أطول من لحظة إنتاجها. وعندما ينجح فيلم أمريكي في التحول من مجرد كوميديا غريبة إلى مرجع ثقافي يناقش به الجمهور واقع بلده، فهذا يعني أن العمل امتلك شيئًا أبعد من النكتة الآنية: امتلك صورة ذهنية عالقة.
هل يستحق «إيديوكراسي» هذه المكانة؟
إذا نظرنا إليه كعمل سينمائي خالص، فهناك أفلام أمريكية أكثر اكتمالًا وتأثيرًا في التاريخ بلا شك. أما إذا نظرنا إليه باعتباره فيلمًا يعبّر عن مزاج أمريكا كما يراه جمهورها الآن، فاختياره يصبح منطقيًا. فالقيمة هنا لا تأتي من الحجم الإنتاجي ولا من أرقام الإيرادات، بل من قدرة الفيلم على البقاء حاضرًا في النقاش العام بعد نحو عقدين من صدوره. وهذه واحدة من العلامات الفارقة لأي فيلم ينجح في التحول إلى cult classic: أن يعيش أطول من لحظة استقباله الأولى.
- سنة الإنتاج: 2006
- المخرج: مايك جادج
- البطولة: لوك ويلسون، مايا رودولف، داكس شيبرد، تيري كروز
- المدة: 84 دقيقة
- الإيرادات العالمية التقريبية: 495,652 دولارًا
في النهاية، صعود Idiocracy في استطلاع من هذا النوع يقول الكثير عن الحاضر أكثر مما يقول عن الماضي. وبالنسبة لقسم مراجعات الأفلام، فالقصة الأهم ليست أن فيلمًا ساخرًا فاز في تصويت جماهيري، بل أن فيلمًا كان يومًا على الهامش صار اليوم أحد أكثر الأعمال استدعاءً كلما أراد الأمريكيون السخرية من صورتهم أمام أنفسهم.