آندي وير يعيد النظر في خطأ محوري داخل «المريخي»
آندي وير يعود إلى «المريخي» بعد سنوات: ما الذي كان سيغيّره؟
رغم أن رواية «المريخي» تحولت إلى واحدة من أشهر قصص الخيال العلمي في القرن الحادي والعشرين، فإن مؤلفها الأمريكي آندي وير لمّح أخيرًا إلى تفصيلة أساسية كان سيتعامل معها بشكل مختلف لو أعاد كتابة القصة اليوم. الفكرة لا تتعلق ببنية الحكاية أو بمصير البطل مارك واتني، بل بمشكلة علمية مبكرة اعتمدت عليها رحلة البقاء على سطح الكوكب الأحمر.
وير، الذي بُنيت شهرته العالمية على هذا العمل قبل انتقاله إلى مشاريع أخرى مثل Project Hail Mary، أوضح أن النقطة التي كان سيعدّلها ترتبط بطريقة حصول مارك واتني على الماء خلال وجوده منفردًا على المريخ. بحسب حديث نُقل عن مقابلة حديثة، يرى الكاتب أن التطورات العلمية اللاحقة أظهرت أن الشخصية لم تكن مضطرة أصلًا إلى تصنيع الماء بالطريقة الدرامية التي عرفها القراء والمشاهدون، لأن بيانات ناسا كشفت لاحقًا وجود ماء متجمد أو نسبة معتبرة من الماء داخل تربة المريخ يمكن استخراجها بالتسخين.
العلم يراجع الخيال: لماذا تغيّرت نظرة وير؟
ما يجعل تصريح وير لافتًا هو أن «المريخي» اكتسب مكانته أساسًا من حرصه الكبير على التفاصيل العلمية. الرواية الصادرة عن Crown في 11 فبراير 2014 قدمها الناشر بوصفها قصة رائد فضاء يُترك وحيدًا على المريخ بعد عاصفة ترابية، فيجد نفسه معزولًا تمامًا ويقاتل للبقاء قبل نفاد المؤن. هذه الفرضية نفسها هي ما صنع جاذبية العمل عالميًا.
لكن وكالة ناسا كانت قد أعلنت في 26 سبتمبر 2013، عبر نتائج جهاز SAM على العربة Curiosity، أن العينات السطحية الناعمة من تربة المريخ تحتوي على عدة في المئة من الماء من حيث الوزن، ووصفت ذلك بأنه مورد مهم علميًا وعمليًا. وفي مادة علمية أخرى من ناسا، أوضحت الوكالة أن الجليد المائي موجود بالفعل على المريخ، وأن الماء هناك غالبًا ما يوجد في صورة جليد ممزوج بمواد أخرى. هذه المعطيات هي التي تفسر مراجعة وير اللاحقة لتفصيلة تصنيع الماء داخل القصة.
بمعنى آخر، لو كُتبت الرواية وفق المعرفة المتاحة اليوم، لربما اتجه واتني إلى تسخين التربة أو البحث عن موارد مائية كامنة بدلًا من الاعتماد على تفاعل كيميائي شائك لتوليد الماء. هذه ليست ثغرة قاتلة في النص بقدر ما هي مثال واضح على كيفية تطور العلم أسرع أحيانًا من الخيال العلمي نفسه.
هل يضر ذلك بسمعة «المريخي»؟
الإجابة الأقرب: لا. بل على العكس، اعتراف وير يضيف إلى رصيد العمل بدلًا من أن ينتقص منه. فالرواية منذ البداية كُتبت على أساس محاولة بلوغ أعلى قدر من الواقعية، والكاتب نفسه قال في مقابلات سابقة إنه استند إلى شغفه بأبحاث الفضاء والمدارات والفيزياء وتاريخ الرحلات المأهولة عند بناء الرواية. كما أكد أن الفكرة بدأت من سؤال بسيط: كيف يمكن لبعثة بشرية إلى المريخ أن تتعطل، وما السيناريوهات الأسوأ التي قد تقع؟
هذا الصدق العلمي هو ما جعل ناسا تدخل على خط العمل وقت إنتاج الفيلم. الوكالة أكدت في أغسطس 2015 أن علماءها ومهندسيها عملوا مستشارين تقنيين لفيلم «The Martian»، وهو أمر نادر يمنح العمل وزنًا إضافيًا لدى جمهور الخيال العلمي. كما أشارت ناسا إلى أن الفيلم يقدم تصورًا واقعيًا إلى حد كبير عن مناخ المريخ وتضاريسه والتحديات المرتبطة بإرسال البشر إليه في العقود المقبلة.
من الرواية إلى الشاشة: لماذا بقي الفيلم مهمًا؟
نسخة السينما من «The Martian» صدرت في 2 أكتوبر 2015 بإخراج ريدلي سكوت وكتابة درو جودارد، وبطولة مات ديمون إلى جانب جيسيكا تشاستين وشيويتل إيجيوفور وكريستن ويج وجيف دانيلز. وعلى مستوى الصناعة، لا يزال الفيلم حاضرًا بوصفه واحدًا من أهم أفلام الخيال العلمي التي نجحت في الجمع بين التشويق، الحس الإنساني، والالتزام النسبي بالعلم.
ومن اللافت أن ناسا نفسها دعمت هذا الانطباع، لكنها في الوقت ذاته أوضحت وجود قدر من المبالغة الضروري دراميًا، خصوصًا في ما يتعلق بالعاصفة الترابية الافتتاحية التي تتسبب في ترك مارك واتني على المريخ. وفق شرح الوكالة، فإن المريخ يشهد عواصف غبارية واسعة فعلًا، وبعضها قد يمتد على مساحات قارية أو يحيط بالكوكب، لكن كثافة الغلاف الجوي هناك منخفضة للغاية لدرجة تجعل الرياح أقل قدرة بكثير على اقتلاع معدات كبيرة أو قلبها مقارنة بما قد يتخيله المشاهد.
هذا يعني أن بداية القصة نفسها تحمل قدرًا من الترخيص الفني، وهو أمر معروف لدى جمهور الفيلم منذ سنوات. ومع ذلك، لم يمنع ذلك «المريخي» من التحول إلى مرجع شعبي عندما يتعلق الأمر بالأفلام التي قرّبت علوم الفضاء من الجمهور العريض، بما في ذلك الجمهور العربي في مصر والمنطقة، حيث ظل الفيلم حاضرًا في القوائم التلفزيونية والمنصات بفضل قصته المباشرة القائمة على النجاة والعلم وروح الدعابة.
آندي وير اليوم: كاتب يراجع أعماله بلا حساسية
اللافت أيضًا أن وير لا يتعامل مع نجاح «المريخي» كمنطقة محرّمة. فالمؤلف، الذي يعرّفه موقعه الرسمي وناشره Penguin Random House بأنه مهندس برمجيات سابق تحول إلى روائي متفرغ بعد نجاح روايته الأولى، معروف بانفتاحه على مناقشة الجوانب التي صمدت علميًا وتلك التي تجاوزتها الاكتشافات. وإذا كان بعض الكتّاب يفضلون الدفاع المستمر عن نصوصهم، فإن وير يبدو أكثر ميلًا إلى الاعتراف بأن العلم الحقيقي يتحرك باستمرار، وأن الخيال العلمي الجيد ليس معصومًا من التحديث.
ولمن يتابع حضوره العام، يظهر اسم آندي وير (@andyweirauthor على إنستغرام) بوصفه واحدًا من أبرز كتاب الخيال العلمي المعاصرين الذين استفادوا من التقاطع بين الأدب والسينما والعلوم التطبيقية. هذا التداخل هو تحديدًا ما جعل «المريخي» أكثر من مجرد رواية أو فيلم؛ بل حالة ثقافية كاملة ارتبطت بحلم الوصول إلى المريخ.
لماذا يهم هذا الخبر جمهور السينما في مصر والمنطقة؟
في سياق التغطية السينمائية العربية، تبدو قصة «المريخي» مثالًا مهمًا على الأعمال العابرة للحدود التي تهم القارئ العربي حتى لو جاءت من هوليوود. السبب بسيط: الفيلم يتناول أسئلة كونية عن البقاء والعلم والعمل الجماعي، وهي موضوعات تلقى صدى واسعًا لدى جمهور المنطقة، خصوصًا مع استمرار الاهتمام العربي ببرامج الفضاء والعلوم والتكنولوجيا.
كما أن مراجعة وير لتفصيلة علمية محورية تمنح القارئ زاوية مختلفة عن الأخبار التقليدية الخاصة بإعادة العرض أو الذكرى السنوية. نحن هنا أمام مؤلف يعيد النظر في أشهر أعماله على ضوء ما كشفته الأبحاث، وهو ما يفتح بابًا أوسع للنقاش: كيف يمكن للسينما المقتبسة من الأدب العلمي أن تظل مقنعة حتى عندما تتغير الحقائق التي بُنيت عليها؟
- الرواية: صدرت عن Crown في 11 فبراير 2014.
- الفيلم: طُرح في 2 أكتوبر 2015 بإخراج ريدلي سكوت وبطولة مات ديمون.
- الملاحظة العلمية الجديدة: واتني ربما لم يكن بحاجة إلى تصنيع الماء بالطريقة المعروفة في القصة بسبب وجود ماء داخل التربة المريخية.
- موقف ناسا: الوكالة ساهمت كمستشار تقني للفيلم، لكنها أوضحت أن العاصفة الافتتاحية مبالغ فيها علميًا.
الخلاصة أن اعتراف آندي وير لا ينتقص من «المريخي»، بل يعيد تقديمه لجيل جديد بوصفه عملًا نجح لأنه احترم العلم، ثم احترم جمهوره بما يكفي ليقول: لو كتبت هذه القصة اليوم، لكنت غيّرت هذا التفصيل. وفي زمن تتشابك فيه السينما مع الاكتشافات العلمية أكثر من أي وقت مضى، ربما تكون هذه الصراحة واحدة من أفضل أسباب بقاء العمل حيًا حتى الآن.