Egypt Box Office

«الناس والنيل» يعود إلى زاوية في مئوية يوسف شاهين

عودة فيلم نادر إلى شاشة القاهرة

إعلان عرض النسخة المرممة من «الناس والنيل» إلى جانب «الأرض» على شاشة سينما زاوية خلال يوليو لا يبدو مجرد إضافة عنوان قديم إلى برنامج استرجاعي، بل هو حدث يخص الذاكرة السينمائية المصرية نفسها. فبحسب ما أعلنته صحف مصرية محلية، انتهى مركز إحياء التراث السمعي والبصري بمدينة الإنتاج الإعلامي من ترميم «الأرض» بتقنية 4K، كما انتهى أيضًا من ترميم «الناس والنيل»، على أن يُعرض الفيلمان في يوليو ضمن الاحتفال بمئوية يوسف شاهين. وفي الوقت نفسه، تُظهر بيانات برنامج يوليو المخصص لأفلام شاهين أن الفعاليات تمتد من 1 يوليو 2026 إلى 30 يوليو 2026، مع حضور واضح لفيلمي «الناس والنيل» و«الأرض» داخل هذا المسار الاحتفالي.

لماذا يُعد «الناس والنيل» اكتشافًا جديدًا لجمهور اليوم؟

خصوصية «الناس والنيل» لا ترجع فقط إلى اسم يوسف شاهين، بل إلى تاريخه المعقد نفسه. الفيلم المعروض باسم «الناس والنيل» صدر في مصر يوم 17 يناير 1972، وهو عمل درامي/وثائقي يدور أثناء تحويل مجرى نهر النيل عام 1964 بالتوازي مع مشروع السد العالي. قاعدة بيانات مهرجان القاهرة السينمائي الدولي تذكر أن مدة الفيلم ساعة و45 دقيقة، وأنه ينسج حكايات شخصيات مصرية وسوفيتية تتقاطع طموحاتها وخلافاتها مع التحولات السياسية والاجتماعية في تلك اللحظة التاريخية.

لكن الأهم أن هذا الفيلم ليس بداية القصة، بل نتيجتها الثانية. مصادر مصرية متخصصة تؤكد أن النسخة الأصلية الأولى كانت فيلم «النيل والحياة» المنتج عام 1968، وهو إنتاج مشترك مصري-روسي أخرجه يوسف شاهين. هذه النسخة الأولى ارتبطت بمشروع تمجيد بناء السد العالي، لكنها تعثرت في العرض، ثم أُعيد الاشتغال على المادة والموضوع ليخرج لاحقًا فيلم «الناس والنيل» بصيغته المعروفة. لذلك فإن مشاهدة الفيلم اليوم لا تعني فقط استعادة عنوان قديم، بل تعني أيضًا قراءة طبقات من التاريخ السياسي والإنتاجي والرقابي داخل السينما المصرية.

من يقف أمام الكاميرا في هذا الفيلم؟

واحدة من مفارقات «الناس والنيل» أنه يجمع أسماء ثقيلة من نجوم السينما المصرية داخل فيلم لا يحضر في الذاكرة الشعبية بقدر حضور أفلام شاهين الأخرى. بيانات مهرجان القاهرة السينمائي وقواعد البيانات المصرية تذكر من بين أبطاله سعاد حسني وصلاح ذو الفقار وعزت العلايلي ومحمود المليجي وسيف عبدالرحمن. كما تشير تفاصيل الأدوار إلى أن سعاد حسني تؤدي شخصية نادية، ويقدم عزت العلايلي شخصية الدكتور أمين، بينما يظهر صلاح ذو الفقار في دور الصحفي يحيى السعيد، ويؤدي محمود المليجي دور المهندس مجدي.

هذا التكوين التمثيلي وحده كافٍ لتفسير لماذا يبدو عرض الفيلم اليوم مهمًا لجمهور القاهرة، خصوصًا للأجيال الأصغر التي تعرف شاهين غالبًا عبر «الأرض» و«المصير» و«إسكندرية ليه؟»، لكنها لم تتح لها فرصة حقيقية لمشاهدة «الناس والنيل» على شاشة سينما وفي نسخة مرممة.

ما الذي يضيفه عرضه إلى جانب «الأرض»؟

البرمجة هنا ذكية للغاية. «الأرض» أحد أكثر أفلام شاهين رسوخًا في الوجدان المصري، وقد أُنتج عام 1970 عن رواية عبدالرحمن الشرقاوي، وبطولة محمود المليجي وعزت العلايلي ويحيى شاهين وتوفيق الدقن وصلاح السعدني ونجوى إبراهيم وحمدي أحمد. المدينة أعلنت أن ترميمه شمل تصحيح الألوان وتنقية الصورة والصوت وتحويله إلى 4K بعد تدهور النسخة الأصلية بمرور الزمن.

حين يُعرض «الناس والنيل» بجوار «الأرض»، لا يصبح الأول مجرد فيلم نادر يُستخرج من الأرشيف، بل يدخل في حوار مباشر مع فيلم يعتبره كثيرون من قمم الواقعية والشجن السياسي في السينما المصرية. هنا يمكن لجمهور زاوية أن يرى شاهين وهو يقترب من الريف والأرض والصراع الاجتماعي في عمل، ثم يذهب إلى مشروع السد العالي والتعاون المصري السوفيتي والتحولات القومية في عمل آخر. هذه المقارنة الحية على الشاشة تمنح «الناس والنيل» فرصة نادرة ليُقرأ خارج هامش الندرة وحده، وداخل تطور مشروع شاهين نفسه.

كيف تعيد القاهرة اكتشاف الفيلم عبر زاوية؟

الإجابة تبدأ من طبيعة سينما زاوية نفسها. فعلى مدار سنوات، كرست زاوية جمهورًا مهتمًا بالعروض الخاصة، والنسخ المستعادة، والأفلام التي تحتاج إلى مشاهدة مركزة ونقاش أوسع من منطق العرض التجاري السريع. لذلك فإن عرض «الناس والنيل» هناك يعني انتقال الفيلم من خانة المعلومة المتداولة بين الباحثين والنقاد إلى خبرة مشاهدة فعلية داخل وسط القاهرة، وبين جمهور يعرف قيمة رؤية النسخة المرممة على شاشة كبيرة.

كما أن توقيت العرض داخل مئوية يوسف شاهين يمنحه بعدًا إضافيًا. الاحتفال بالمئوية لا يكتمل بإعادة عرض الأفلام الأشهر فقط، بل يحتاج أيضًا إلى استعادة الأعمال الأقل تداولًا، خاصة تلك التي تكشف مناطق التوتر في مسيرة المخرج. وبرنامج يوليو الذي يمتد طوال الشهر يضع «الناس والنيل» داخل سياق أوسع يضم أفلامًا من مراحل مختلفة، بما يسمح بإعادة ترتيب صورة شاهين في أذهان المتفرجين، ليس فقط كمخرج للأعمال الكلاسيكية المتفق عليها، بل كمخرج خاض تجارب إنتاجية وفكرية معقدة أيضًا.

ما الذي يجعل «الناس والنيل» مهمًا الآن؟

في لحظة يتزايد فيها الحديث عن ترميم الأفلام المصرية وحفظ الذاكرة البصرية، يأتي «الناس والنيل» بوصفه اختبارًا عمليًا لمعنى الإنقاذ الثقافي. الفيلم مرتبط بمرحلة مفصلية في تاريخ الدولة المصرية، وبموضوع شديد الحساسية والرمزية هو السد العالي، كما أنه يجمع بين البعد الوطني والبعد الإنساني عبر قصص شخصيات تتحرك بين الحلم الشخصي والمشروع العام.

الأهمية الآن ليست فقط في معرفة أن الفيلم موجود، بل في إمكانية مشاهدته من جديد في نسخة صالحة للعرض، وبعد سنوات طويلة من محدودية تداوله مقارنة بأفلام شاهين الأشهر. ومن هنا تصبح القاهرة، عبر زاوية ومشروع الترميم الذي تتبناه مدينة الإنتاج الإعلامي، كأنها تعيد فتح درج قديم في تاريخ السينما المصرية وتخرج منه عملًا كان حاضرًا في الكتب وقواعد البيانات أكثر من حضوره في الوعي الجماهيري.

أبرز الحقائق حول العرض والفيلم

  • موعد الفعاليات: برنامج مئوية يوسف شاهين في يوليو يمتد من 1 إلى 30 يوليو 2026.
  • مكان العرض: سينما زاوية في القاهرة.
  • الفيلم المعاد اكتشافه: «الناس والنيل» إنتاج 1972.
  • الفيلم المصاحب: «الأرض» إنتاج 1970، بعد ترميمه وتحويله إلى 4K.
  • خلفية نادرة: «الناس والنيل» يرتبط بنسخة سابقة هي «النيل والحياة» من إنتاج 1968.
  • أبطال «الناس والنيل»: سعاد حسني، صلاح ذو الفقار، عزت العلايلي، محمود المليجي، سيف عبدالرحمن.

أكثر من عرض.. استعادة لذاكرة مصر على الشاشة

لهذا السبب يبدو سؤال: كيف تعيد القاهرة اكتشاف «الناس والنيل»؟ سؤالًا عن المدينة بقدر ما هو عن الفيلم. الاكتشاف هنا لا يحدث عبر خبر ثقافي عابر، بل عبر سلسلة مترابطة: ترميم مؤسسي، وبرمجة واعية في يوليو 2026، وعرض على شاشة تعرف جمهورها، وربط مباشر بين فيلم نادر وفيلم راسخ مثل «الأرض». النتيجة أن «الناس والنيل» يعود لا كأثر سينمائي فقط، بل كجزء من حكاية مصرية عن الذاكرة، والسينما، وكيف يمكن لنسخة مرممة أن تمنح فيلمًا قديمًا حياة جديدة في قلب القاهرة.