إلغاء مهرجان الإسكندرية السينمائي 2026 وتأثيره على المدينة
قرار 2026: ماذا حدث بالضبط؟
أصبح مؤكدًا أن الدورة الثانية والأربعين من مهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط لن تُقام خلال عام 2026، بعد أزمة ممتدة بدأت بقرار اللجنة العليا للمهرجانات بوزارة الثقافة عدم التصريح بإقامة الدورة التي كان مقررًا تنظيمها في الفترة من 26 إلى 30 سبتمبر 2026. وبعد ذلك، جرى تداول محاولات لإعادة تقديم تصور جديد للدورة، بينها ترشيح الدكتورة غادة جبارة لرئاسة المهرجان، لكن الأزمة انتهت إلى إغلاق ملف دورة 2026 بسبب ضيق الوقت، مع اتجاه لأن يعود المهرجان في عام 2027.
المعطيات المنشورة في الصحافة المصرية خلال يونيو ويوليو 2026 تُظهر أن القضية لم تكن مجرد تغيير أسماء، بل خلافًا أعمق حول وضع المهرجان نفسه. فقد نُشر أن اللجنة رأت تراجعًا في مستوى المهرجان خلال الدورات الأخيرة وابتعاده عن أهدافه الثقافية والفنية، بينما أكدت مصادر أخرى أن الجمعية المنظمة مُنحت مهلة تصل إلى 14 شهرًا لإعداد خطة واضحة تستعيد بها بريق المهرجان وثقة الوسط السينمائي فيه.
لماذا يبدو الخبر أكبر من مجرد إلغاء دورة واحدة؟
في بلد تتركز فيه أغلب الثقلات السينمائية والإعلامية في القاهرة، يظل مهرجان الإسكندرية حالة مختلفة. فهو ليس مجرد حدث عروض وأفلام، بل نافذة تاريخية تربط المدينة الساحلية بالمتوسط ثقافيًا وسينمائيًا. لذلك فإن غياب دورة كاملة في 2026 لا يُقرأ فقط باعتباره أزمة تنظيم، بل باعتباره فراغًا في الخريطة الثقافية المصرية خارج العاصمة.
المهرجان يحمل اسم الإسكندرية، وهذه نقطة جوهرية. المدينة لطالما امتلكت ذاكرة سينمائية خاصة، من دور العرض القديمة إلى علاقتها بالبحر وبالتنوع الاجتماعي والثقافي الذي منحها مكانة رمزية في السينما المصرية نفسها. حين يتعطل مهرجان بهذا الاسم، فإن الضرر الرمزي يصيب صورة المدينة بقدر ما يصيب المؤسسة المنظمة.
ما الذي خسرته الإسكندرية فعليًا في موسم 2026؟
1) خسارة الزخم الثقافي الموسمي
الدورات الأخيرة للمهرجان كانت تُقام عادة في نهاية سبتمبر أو بداية أكتوبر، وهي فترة تسمح بخلق موسم ثقافي واضح في المدينة، يجمع العروض والندوات والضيوف والتغطيات الإعلامية. في الدورة الحادية والأربعين، التي أُقيمت فعليًا من 2 إلى 6 أكتوبر 2025، أعلن المنظمون مشاركة 131 فيلمًا من 46 دولة، وهو رقم يعكس حجم الحدث من حيث الحركة والبرمجة والحضور.
2) خسارة الحضور السياحي والصورة المدنية
الجانب السينمائي ليس وحده المقصود هنا. مهرجانات من هذا النوع تصنع صورًا متداولة للمدينة: الافتتاح في مكتبة الإسكندرية، والختام في حدائق أنطونيادس، ووجود ضيوف من مصر ودول المتوسط، وتغطيات صحفية تتعامل مع الإسكندرية بوصفها منصة ثقافية لا مجرد مصيف موسمي. غياب الدورة يعني ببساطة غياب هذا النوع من الظهور العام للمدينة في الإعلام الثقافي المصري.
3) خسارة مساحة للشباب والسينما المصرية
من بين العناصر المهمة في الدورات السابقة وجود مسابقات لا تتوقف عند الأفلام المتوسطية فقط، بل تمتد إلى الفيلم المصري الروائي الطويل وأفلام شباب مصر للطلبة والمحترفين. هذا البعد مهم جدًا لأن المهرجان كان يوفّر منصة عرض واحتكاك لصناع أفلام مصريين شباب خارج الإطار التجاري المباشر، وهو دور يصعب تعويضه بسهولة إذا غابت الدورة لعام كامل.
لكن هل كانت هناك مؤشرات أزمة قبل الإلغاء؟
نعم، والمؤشرات كانت علنية إلى حد بعيد. في 4 يونيو 2026 أعلن الناقد والكاتب الأمير أباظة استقالته من رئاسة الدورة المقبلة، وقال وقتها إن قراره جاء حرصًا على استمرار المهرجان وأداء رسالته الثقافية والفنية. ثم تتابعت الأخبار عن رفض الترخيص للدورة 42، وبعدها عن محاولات لإعادة ترتيب الإدارة، قبل أن ينتهي الأمر إلى عدم إقامة دورة 2026 نهائيًا.
هذا التسلسل يكشف أن الأزمة كانت مركبة: إدارية وتنظيمية وثقافية في آن واحد. كما أن بعض التغطيات ربطت القرار أيضًا بفكرة ابتعاد المهرجان عن أهالي الإسكندرية أنفسهم، وهي ملاحظة شديدة الأهمية لأن أي مهرجان يحمل اسم مدينة يجب أن ينجح أولًا في مخاطبة جمهورها، لا أن يظل حدثًا نخبويًا مغلقًا.
ماذا يقول سجل 2025 عن حجم ما تم فقدانه؟
العودة إلى الدورة 41 تساعد على قياس الخسارة بوضوح. فالمهرجان في أكتوبر 2025 لم يكن حدثًا رمزيًا صغيرًا؛ بل شهد مؤتمرًا صحفيًا أعلن تفاصيل دورة تضم عشرات البرامج والمسابقات، ثم أُقيم الافتتاح بحضور فني واسع، وحمل اسم النجمة ليلى علوي. وفي الختام فاز الفيلم المصري المنبر للمخرج أحمد عبد العال بجائزة أفضل فيلم متوسطي طويل، بما يعكس أن المهرجان ظل حتى آخر دورة مُقامة قادرًا على منح السينما المصرية منصة تقدير ومنافسة.
هذه التفاصيل مهمة لأنها تؤكد أن الحديث ليس عن فعالية هامشية توقفت، بل عن حدث له حضور فعلي في رزنامة السينما المصرية، حتى لو كانت هناك ملاحظات حادة على مستواه أو إدارته.
هل يضر الإلغاء بصورة الموسم السينمائي المصري؟
بالتأكيد، ولو بدرجة غير مباشرة. فالموسم السينمائي المصري لا يُقاس فقط بإيرادات شباك التذاكر أو مواعيد طرح الأفلام التجارية، بل أيضًا بكثافة الفعاليات التي تُبقي السينما حاضرة كنقاش عام وكصناعة وثقافة. وعندما تغيب دورة لمهرجان عريق في الإسكندرية، فإن النتيجة تكون مزيدًا من المركزية القاهرية، ومزيدًا من الفراغ في الأقاليم والمدن الكبرى التي تحتاج لفعاليات قادرة على جمع الجمهور وصناع الأفلام والنقاد.
ومن زاوية "شباك التذاكر" بالمعنى المحلي الأوسع، فكل مهرجان ناجح يرفع الوعي بالأفلام المصرية والعربية، ويخلق دوائر اهتمام تنعكس لاحقًا على التلقي، وعلى فرص الأفلام المستقلة في الوصول إلى جمهور أكبر. لذلك فإن خسارة المهرجان ليست معنوية فقط، بل تمس أيضًا البنية الثقافية المساندة للسوق السينمائي.
ما الذي يجب أن يحدث قبل عودة 2027؟
- إعادة تعريف هوية المهرجان بوضوح: هل هو مهرجان نخبوي متخصص أم مهرجان مدينة يخاطب جمهور الإسكندرية أولًا؟
- استعادة الثقة المؤسسية بين الجمعية المنظمة ووزارة الثقافة والوسط السينمائي.
- تقديم برنامج أقرب للمدينة عبر عروض وورش وفعاليات محسوسة في الإسكندرية نفسها، لا في القاعات الرسمية فقط.
- الاستفادة من مهلة الـ14 شهرًا التي تحدثت عنها التغطيات الصحفية لصياغة خطة قابلة للتنفيذ، لا مجرد تغيير أسماء أو مواقع.
- الحفاظ على الحضور المصري داخل البرمجة، خصوصًا مسابقات الشباب والفيلم المصري، لأنها من أكثر عناصر المهرجان اتصالًا بالبيئة المحلية.
الخلاصة
إلغاء مهرجان الإسكندرية السينمائي 2026 ليس خبرًا عابرًا في أجندة الفن. هو اختبار حقيقي لفكرة اللامركزية الثقافية في مصر، ولمكانة الإسكندرية كمدينة تملك حقها في موسم سينمائي يليق بتاريخها ورمزيتها. القرار يوجع صورة المدينة مؤقتًا، لكنه قد يتحول إلى نقطة تصحيح إذا استُثمرت فترة التوقف في إصلاح حقيقي يعيد للمهرجان علاقته بجمهوره وبقيمته المتوسطية والمصرية معًا. أما إذا مرّ الغياب باعتباره مجرد سنة ساقطة من الحساب، فستكون الخسارة أكبر من دورة مؤجلة: ستكون خسارة ثقة في قدرة المؤسسات الثقافية على حماية واحد من أقدم الأسماء السينمائية في مصر.