«الشبيه» لنهال القوصي: كيف يتصدر الوثائقي المصري موسم 2026؟
اختيار «الشبيه» ليس خبر مشاركة عابرًا
مع إعلان اختيار الفيلم الوثائقي المصري الطويل «الشبيه» للمخرجة والكاتبة نهال القوصي للعرض العالمي الأول ضمن قسم «العروض الخاصة» في الدورة السابعة والأربعين من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي (@cairofilmfestival على إنستغرام)، بدا واضحًا أن الوثائقي المصري دخل موسم 2026 من بوابة لافتة جماهيريًا ونقديًا في آن واحد. المهرجان يقام هذا العام من 11 إلى 20 نوفمبر 2026، بالتزامن مع مرور 50 عامًا على انطلاق دورته الأولى عام 1976، ما يمنح أي اختيار مصري داخله وزنًا مضاعفًا في القراءة الثقافية والإعلامية.
الأهم هنا أن الأمر لا يتعلق فقط بوجود فيلم مصري في برنامج دولي، بل بكونه عرضًا عالميًا أول لفيلم وثائقي مصري يحمل فكرة قريبة من الحس الشعبي المصري، ويطرحها في صياغة سينمائية معاصرة قابلة للتداول محليًا وخارجيًا. هذا النوع من الاختيارات يعيد تعريف مكانة الوثائقي في السوق الثقافي: ليس بوصفه هامشًا نخبويا، بل بوصفه مادة مشاهدة ومناقشة واهتمام صحفي.
ما الذي نعرفه عن «الشبيه» حتى الآن؟
المعلومات المعلنة عن الفيلم تمنح مؤشرًا مهمًا على طبيعته. نهال القوصي تتولى الكتابة والإخراج، بينما يشارك أحمد نادر في الإنتاج، مع مشاركة Render Films، ويتولى أحمد نادر ومحمد عبد اللطيف التصوير، كما يشارك في الإنتاج الجزيرة الوثائقية وأحمد محفوظ. وتبلغ مدة الفيلم 106 دقائق، وهي مدة طويلة نسبيًا في الفيلم الوثائقي، بما يوحي ببناء درامي متماسك يتجاوز التقرير السريع أو المعالجة التلفزيونية التقليدية.
ووفق التفاصيل المنشورة عن المشروع، يدور «الشبيه» في ملاعب كرة القدم وقاعات الحفلات الموسيقية والتجمعات الدينية، حيث يتتبع حياة ثلاثة مصريين يشبهون شخصيات شهيرة بشكل لافت. الفكرة في ظاهرها شعبية وطريفة، لكنها في العمق تفتح أسئلة كبيرة حول الشهرة، والصورة، والعمل، والهوية الاجتماعية: كيف تتحول المصادفة الجينية إلى مهنة؟ وكيف يمكن أن يصير «الشبيه» نجمًا متاحًا وقريبًا من الناس، أحيانًا أكثر من النجم الأصلي نفسه؟
لماذا يضع الفيلم الوثائقي المصري في الواجهة؟
1) لأنه ينطلق من موضوع مصري قابل للرواج
واحدة من نقاط القوة الأساسية في «الشبيه» أنه لا يعتمد على قضية مجردة أو خطاب نظري، بل على ظاهرة يمكن للمشاهد المصري التعرف إليها فورًا. في الشارع المصري، وفي الأفراح والمناسبات والقرى وحتى الفعاليات الجماهيرية، فكرة «الشبيه» معروفة ومثيرة للفضول. حين تتحول هذه الظاهرة إلى فيلم وثائقي طويل، فإنها تمنح الوثائقي ميزة نادرة: سهولة الدخول إلى الجمهور من دون التفريط في العمق.
2) لأنه يثبت أن الوثائقي يمكن أن يكون حدثًا برمجيًا
إدراج «الشبيه» ضمن 11 فيلمًا في برنامج «العروض الخاصة» بالدورة 47، وليس على هامش البرنامج، يرفع من قيمة حضوره. القسم نفسه يضم أعمالًا من دول متعددة، لكن وجود فيلم مصري وثائقي داخل هذه الخريطة يمنح إشارة برمجية مهمة: الوثائقي المحلي لم يعد يُرى فقط باعتباره ملفًا متخصصًا، بل فيلمًا قادرًا على الجلوس في قلب البرنامج ومخاطبة جمهور المهرجان العريض.
3) لأنه يأتي في دورة رمزية لمهرجان القاهرة
الدورة المقبلة ليست عادية؛ فهي دورة الاحتفال بمرور نصف قرن على تأسيس مهرجان القاهرة السينمائي. في مثل هذه الدورات، تصبح الاختيارات المصرية تحت المجهر أكثر من المعتاد، لأن كل فيلم محلي يشارك في تشكيل الصورة التي يريد المهرجان تصديرها عن السينما المصرية الآن. من هنا، فإن اختيار «الشبيه» يمنح الوثائقي المصري فرصة نادرة ليكون جزءًا من السردية الكبرى للموسم، لا مجرد عنوان موازٍ لها.
نهال القوصي ومسار يعزز الثقة في المشروع
رهان «الشبيه» لا ينفصل عن اسم نهال القوصي نفسها. دخولها هذه التجربة بفيلم وثائقي طويل يمنح المشروع ثقلًا إضافيًا، خصوصًا مع إعلانها الشخصي عن سعادتها بالاختيار، وتأكيدها أن الفيلم ثمرة رحلة عمل طويلة مع فريقه. كما أن مشاركة أحمد نادر في الإنتاج والتصوير تضيف بعدًا عمليًا مهمًا، لأن الفيلم الوثائقي القائم على المتابعة الميدانية يحتاج إلى مرونة شديدة في التقاط التفاصيل وصياغة الإيقاع البصري.
اللافت أيضًا أن الصياغة المعلنة للفيلم تركز على الحياة اليومية لا على الاستعراض النظري. هذه نقطة أساسية لأي وثائقي يطمح إلى اختراق أوسع من دائرة المتخصصين؛ فالمشاهد لا يدخل الفيلم فقط ليتعرف على فكرة «الشبيه»، بل ليرى كيف يعيش هؤلاء الناس، وكيف يتعامل معهم الآخرون، وما الذي يخسرونه أو يكسبونه من هذا التشابه.
ما الذي يكسبه الموسم المصري من هذا الاختيار؟
- زيادة الانتباه الإعلامي إلى الأفلام الوثائقية المصرية قبل انطلاق المهرجان.
- توسيع النقاش الجماهيري حول الوثائقي باعتباره تجربة مشاهدة، لا مجرد مادة تعليمية أو تلفزيونية.
- تعزيز فرص التوزيع والبرمجة للأعمال الوثائقية المصرية في مهرجانات ومنصات لاحقة، خصوصًا حين يبدأ الفيلم من عرض عالمي أول في القاهرة.
- إبراز موضوعات مصرية خالصة يمكنها السفر إلى الخارج من دون أن تفقد خصوصيتها المحلية.
وفي هذا السياق، يصبح «الشبيه» أكثر من مجرد فيلم جديد في رصيد 2026؛ إنه اختبار لصورة الوثائقي المصري أمام الصناعة والجمهور معًا. فإذا نجح الفيلم في تحويل فكرته الشعبية إلى تجربة سينمائية مؤثرة، فسيدعم بقوة فكرة أن الموسم المصري لا يقتصر على الروائي الطويل أو النجوم التقليديين، بل يمتلك أيضًا وثائقيات قادرة على صنع حديث الموسم.
بين المحلية والقدرة على التصدير
أحد أسرار قوة الفكرة أن «الشبيه» مصري جدًا في ملامحه، لكنه ليس منغلقًا على بيئته. موضوع الشبه بالمشاهير مفهوم عالميًا، لكن تموضعه داخل ملاعب الكرة والحفلات والتجمعات الدينية في مصر يمنحه نكهة محلية حقيقية. هذه المعادلة بالذات هي ما تبحث عنه المهرجانات عادة: فيلم يعرف جيدًا من أين يتكلم، لكنه يطرح سؤالًا يمكن أن يفهمه المتفرج أينما كان.
ومن هنا يمكن فهم لماذا يبدو اختيار «الشبيه» مهمًا في توقيته. نحن أمام فيلم مصري وثائقي طويل، بعرض عالمي أول، داخل مهرجان القاهرة في دورة احتفالية، وبموضوع له جاذبية شعبية وثقافية في الوقت نفسه. هذه عناصر نادرًا ما تجتمع بهذا الوضوح في عمل واحد.
الخلاصة: واجهة جديدة للوثائقي المصري
إذا كان لكل موسم سينمائي عنوانه الدال، فإن اختيار «الشبيه» لنهال القوصي ضمن العروض الخاصة في مهرجان القاهرة السينمائي 2026 يمنح الوثائقي المصري عنوانًا قويًا مبكرًا. الفيلم لا يستفيد فقط من قيمة المهرجان، بل يضيف بدوره إلى صورة الموسم المصري عبر فكرة ذكية، ومادة إنسانية قابلة للتداول، وإطار إنتاجي واضح، وعرض عالمي أول في توقيت مثالي.
لهذا، يمكن القول إن «الشبيه» يضع الوثائقي المصري فعلًا في واجهة الموسم: ليس كشعار دعائي، بل كحقيقة تدعمها الوقائع المعلنة حتى الآن، من تاريخ العرض، إلى القسم البرمجي، إلى فريق العمل، إلى طبيعة الموضوع نفسه. وفي انتظار انطلاق الدورة بين 11 و20 نوفمبر، يبدو الفيلم مرشحًا لأن يكون أحد أكثر العناوين المصرية إثارة للنقاش في خريف السينما هذا العام.