Egypt Box Office

«الذوبان» يواصل صعود مانويلا مارتيللي إلى صالات فرنسا

فيلم تشيلي جديد يلفت الأنظار في أوروبا

تواصل المخرجة والممثلة التشيلية مانويلا مارتيللي تثبيت حضورها بين أبرز أسماء السينما اللاتينية المعاصرة، مع اقتراب عرض فيلمها الجديد «الذوبان»، المعروف دوليًا بعنوان The Meltdown، في دور السينما الفرنسية يوم 26 أغسطس 2026. العمل يأتي بعد الصدى الذي حققه فيلمها السابق «تشيلي 76»، الذي رسّخ اسمها كمخرجة تتابع ذاكرة بلدها السياسية والاجتماعية بلغة بصرية هادئة لكنها حادة التأثير.

وبالنسبة إلى القارئ المصري المهتم بحركة السينما خارج الحدود العربية، فإن «الذوبان» يبدو عنوانًا مهمًا ضمن موجة أفلام أمريكا اللاتينية التي لا تكتفي بسرد التاريخ، بل تعيد مساءلته من خلال قصص شخصية صغيرة تكشف ما هو أوسع. هذا النوع من الأفلام يجد مكانه بانتظام في المهرجانات الكبرى، ويصنع لنفسه جمهورًا في صالات الفن والتجريب بأوروبا، ومنها فرنسا التي تستقبل الفيلم في نهاية أغسطس.

من «تشيلي 76» إلى «الذوبان»

مانويلا مارتيللي ليست اسمًا جديدًا على المشهد التشيلي. فإلى جانب مسيرتها التمثيلية، جاءت انطلاقتها الإخراجية الطويلة مع «1976» عام 2022، وهو الفيلم الذي عُرف في بعض الأسواق باسم Chile ’76. وقد عُرض الفيلم في أسبوعي المخرجين بمهرجان كان، قبل أن يواصل حضوره في المهرجانات الدولية، ما فتح الباب أمام متابعة مشروعها التالي باهتمام أكبر.

اللافت أن «الذوبان» لا يبتعد عن المساحة التاريخية نفسها، بل يتحرك داخل تشيلي ما بعد الديكتاتورية، مستكملًا اهتمام مارتيللي بكيفية بقاء آثار الماضي داخل الحياة اليومية. ووفق المعلومات المنشورة ضمن مواد مهرجان كان 2026، فإن الفيلم عُرض في قسم «نظرة ما» ضمن الاختيار الرسمي، وهو ما يعكس الثقة الدولية المتزايدة في صوتها الإخراجي.

عن ماذا يحكي «الذوبان»؟

تدور أحداث الفيلم في تشيلي عام 1992، أي في مرحلة كانت البلاد فيها ما تزال تتعامل مع تبعات عهد أوغستو بينوشيه. تضع مارتيللي قصتها في إطار جبلي ثلجي، ومن خلال عيني طفلة في التاسعة من عمرها تُدعى إينيس. ووفق البيانات المتاحة عن الفيلم، تؤدي الدور مايا أو رورك، بينما يضم العمل أيضًا ساسكيا روزندال ومايا راي دوماجالا وياكوب غيرشال.

الخط الدرامي الرئيسي يرتبط بعلاقة تنشأ بين إينيس ومراهقة ألمانية في فندق جبلي معزول، في وقت تبدو فيه البلاد وكأنها دخلت مرحلة جديدة سياسيًا، بينما لا تزال الجروح القديمة حاضرة تحت السطح. هذه المفارقة بين براءة الطفولة وثقل الذاكرة الجماعية تمنح الفيلم طابعه الخاص، وتجعله أقرب إلى دراما نفسية وتاريخية في آن واحد.

ذكريات شخصية تتحول إلى سينما

المعلومات التي نشرها مهرجان كان عن الفيلم تشير إلى أن مارتيللي استلهمت «الذوبان» من ذاكرتين شخصيتين من طفولتها: الأولى مرتبطة بفندق تزلج كانت تقضي فيه الإجازات، والثانية تتعلق باستحضارها لحادثة نقل كتلة جليدية من القارة القطبية الجنوبية عرضتها تشيلي في إكسبو إشبيلية 1992. هذا المزج بين الخاص والعام يفسر اختيارها عنوانًا مثل «الذوبان»، بما يحمله من دلالات مادية وسياسية ونفسية معًا.

هنا لا يبدو الجليد مجرد عنصر بصري، بل رمزًا لبلد يحاول تقديم صورة جديدة عن نفسه للعالم، بينما لا تزال أسئلة الذاكرة والاختفاء والفقد بلا إجابات نهائية. وهذه زاوية مألوفة في كثير من سينما أمريكا اللاتينية، خصوصًا في الأعمال التي تنشغل بآثار الحكم العسكري والتحولات النيوليبرالية في التسعينيات.

محطة كان 2026 ودلالتها

اختيار «الذوبان» ضمن قسم «نظرة ما» في مهرجان كان 2026 ليس تفصيلًا هامشيًا، لأن هذا القسم غالبًا ما يسلط الضوء على الأصوات الإخراجية التي تقدم رؤى فنية مستقلة ومغايرة. كما أن ظهور الفيلم هناك منح العمل دفعة مبكرة على مستوى السوق الدولية، سواء من حيث الترويج أو مسار التوزيع في أوروبا.

بالنسبة لصنّاع السينما في المنطقة العربية وأفريقيا، ومنهم المتابع المصري، يظل مهرجان كان مؤشرًا أساسيًا على اتجاهات السينما الفنية عالميًا. ومن ثم فإن بروز فيلم تشيلي جديد في هذا السياق يعكس استمرار الحضور اللاتيني في المسابقات والاختيارات الرفيعة، إلى جانب أسماء معروفة من تشيلي مثل بابلو لاراين وسيباستيان ليليو، وغيرهما من المخرجين الذين فتحوا الباب أمام أجيال لاحقة.

موعد العرض الفرنسي ولماذا يهم؟

بحسب بيانات موقع AlloCiné الفرنسي، ينطلق عرض «الذوبان» في الصالات الفرنسية يوم 26 أغسطس 2026، بزمن عرض يبلغ ساعة و48 دقيقة، بينما تتولى توزيعه في فرنسا شركة Les Films du Losange. ويكتسب هذا الموعد أهمية خاصة لأن السوق الفرنسية تبقى من أهم الأسواق الأوروبية للأفلام الفنية وغير الناطقة بالإنجليزية، كما أنها تمنح هذه الأعمال فرصة للوصول إلى نقاد وصالات عرض وجمهور متابع للسينما العالمية.

ومن الزاوية التحريرية العربية، فإن انتقال الفيلم من محطة المهرجان إلى التوزيع التجاري في فرنسا يعني أنه دخل بالفعل مرحلة أوسع من التداول الدولي، وليس مجرد عنوان عابر في موسم المهرجانات. وهذه النقطة مهمة عند تقييم فرص الفيلم لاحقًا في الانتشار عبر منصات أو مهرجانات إقليمية قد تصل به إلى جمهور الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

السينما التشيلية تواصل حضورها

نجاح مانويلا مارتيللي في الوصول السريع بفيلمها الثاني إلى الاختيار الرسمي في كان يؤكد أن السينما التشيلية ما تزال محافظة على زخمها الدولي. خلال السنوات الأخيرة، برزت تشيلي كواحدة من أكثر دول أمريكا اللاتينية ثباتًا في إنتاج أفلام قادرة على الجمع بين البعد الفني والاهتمام السياسي والاجتماعي.

وإذا كان «تشيلي 76» قد قدّم مارتيللي كصانعة أفلام تشتغل على الذاكرة من زاوية امرأة راشدة، فإن «الذوبان» يبدو أقرب إلى اختبار جديد يمر عبر عين طفلة، وهو تحول يمنحها مساحة مختلفة لبناء التوتر والملاحظة. كما أن الإطار الزمني، أي أوائل التسعينيات، يفتح بابًا لقراءة لحظة ما بعد الاستبداد، وهي لحظة تتردد أصداؤها أيضًا في تجارب بلدان كثيرة داخل الجنوب العالمي.

لماذا قد يهم الفيلم القارئ المصري؟

  • لأنه يقدم مثالًا واضحًا على كيف تعالج السينما اللاتينية التاريخ السياسي دون خطاب مباشر.
  • ولأنه يعكس دور المهرجانات في تحويل الأفلام الفنية إلى عناوين دولية قابلة للتوزيع.
  • ولأنه يطرح أسئلة الذاكرة والعدالة والانتقال السياسي، وهي موضوعات تجد صدى واسعًا لدى جمهور المنطقة.
  • ولأن متابعة هذه الأعمال تساعد على قراءة موقع سينمات الجنوب، ومنها أمريكا اللاتينية وأفريقيا، في خريطة السينما العالمية.

خلاصة

مع «الذوبان»، تبدو مانويلا مارتيللي ماضية في بناء مشروع سينمائي متماسك يستعيد تاريخ تشيلي الحديث عبر حكايات حميمة ومشحونة بالمعنى. الفيلم وصل بالفعل إلى مهرجان كان 2026، ويستعد الآن لدخول دور العرض الفرنسية في 26 أغسطس، بما يعزز موقع مخرجته بين الوجوه الأهم في السينما التشيلية الجديدة. وإذا حافظ العمل على الزخم نفسه بعد المهرجانات، فقد يتحول إلى أحد أبرز عناوين السينما اللاتينية الفنية خلال الموسم الحالي.