Egypt Box Office

الجونة 2026 يبدأ غدًا: كيف تخدم اللجان الجديدة السينما المصرية؟

انطلاق الدورة التاسعة غدًا.. ولماذا تبدو مختلفة للمصريين؟

تنطلق الدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي غدًا الخميس 15 أكتوبر 2026 وتستمر حتى 23 أكتوبر في مدينة الجونة على البحر الأحمر، بعد أن كشف المهرجان رسميًا عن ملامح دورته الجديدة ولجان تحكيم مسابقاته وبرامجه الداعمة للصناعة. بالنسبة للقارئ المصري، لا تبدو أهمية هذه الدورة في السجادة الحمراء وحدها، بل في السؤال الأهم: كيف يتحول المهرجان إلى مساحة عملية تخدم السينما المصرية وصُنّاعها، خصوصًا في لحظة تشهد فيها السوق المحلية حاجة واضحة إلى تطوير المشروعات من الفكرة حتى التمويل والتنفيذ؟

الإجابة تبدأ من نقطتين واضحتين في برنامج 2026: الأولى هي تركيبة لجان التحكيم الجديدة التي تجمع بين خبرات دولية وأسماء مصرية من قلب الصناعة، والثانية هي إطلاق وتفعيل برنامج «أصوات مصرية» تحت مظلة «سيني جونة لدعم إنتاج الأفلام»، وهو برنامج موجّه تحديدًا إلى صُنّاع الأفلام المصريين في المراحل الأولى من تطوير مشروعاتهم.

ماذا تقول لجان التحكيم الجديدة عن اتجاه المهرجان؟

أعلن المهرجان في 13 أكتوبر 2026 تشكيل لجان تحكيم مسابقاته المختلفة للدورة التاسعة، وتشمل مسابقات الأفلام الروائية الطويلة والوثائقية والقصيرة، إلى جانب جوائز النجمة الخضراء وفيبريسي ونتباك. هذا الاتساع في التخصصات مهم، لأنه يعني أن التقييم لن يكون من زاوية ذوقية واحدة، بل من زوايا فنية وإنتاجية وبرمجية ونقدية متعددة.

في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة، تترأس اللجنة المخرجة البريطانية جوانا هوج، وتضم من مصر اسمين لافتين: الفنانة ناهد السباعي، والمؤلف الموسيقي خالد حماد. وجود ناهد السباعي هنا مهم لأنه يضع ممثلة مصرية ذات خبرة في أفلام ذات حس مستقل ومهرجاني داخل عملية التقييم، بينما يضيف خالد حماد منظورًا مختلفًا يرتبط ببناء الفيلم من الداخل، خصوصًا في الإيقاع والهوية السمعية والدرامية. بالنسبة لصُنّاع السينما المصريين، هذه ليست مجرد أسماء شرفية، بل رسالة بأن قراءة الفيلم في الجونة لا تنفصل عن عناصره الإبداعية الكاملة، لا عن الإخراج وحده.

أما لجنة الأفلام الوثائقية الطويلة والنجمة الخضراء، فيترأسها المخرج والمنتج سمير، وتضم أبوذر أميني، وجولي فرير، وريتا جويتج. الجمع بين الوثائقي وجائزة البيئة داخل لجنة واحدة يعكس توجهًا متزايدًا نحو الأفلام ذات الحس الاجتماعي والإنساني والقدرة على الاشتباك مع قضايا عامة. وهذا مهم للسينمائي المصري الذي يعمل في الوثائقي أو في المشاريع منخفضة الميزانية، لأن فرصته في الحضور لم تعد مرتبطة فقط بقدرة الفيلم على السفر بين المهرجانات، بل أيضًا بقدرته على طرح قضية واضحة بلغة سينمائية ناضجة.

وفي مسابقة الأفلام القصيرة، تضم اللجنة مشعل الجاسر وآمال القلاتي وكريستوس باساليس. هذه اللجنة تبدو ذات صلة مباشرة بالشباب، لأن الفيلم القصير في مصر ما يزال بوابة أساسية لاكتشاف المخرجين الجدد، ولأن أغلب التجارب المصرية الطازجة تبدأ من هذا الشكل قبل الانتقال إلى الفيلم الطويل.

كما تضم لجنة فيبريسي الناقد المصري هيثم مفيد، بينما تمنح لجنة نتباك جائزة لأفضل فيلم لمخرج آسيوي ناشئ ضمن برنامج الدورة. وجود ناقد مصري داخل لجنة فيبريسي يمنح حضورًا مصريًا داخل واحدة من أهم الجوائز النقدية المصاحبة، ويعزز فكرة أن مصر ليست فقط بلد الاستضافة، بل طرف فاعل في صياغة النقاش السينمائي نفسه.

الدلالة المصرية الأهم: التوازن بين المحلية والانفتاح

ما تعنيه هذه التشكيلات عمليًا هو أن مهرجان الجونة يحاول هذا العام الحفاظ على معادلة دقيقة: انفتاح دولي في الخبرات، مع حضور مصري نوعي لا شكلي. فبدل الاكتفاء بتمثيل محلي رمزي، نرى أسماء مصرية مرتبطة فعلًا بالممارسة الفنية والنقدية، من ناهد السباعي إلى خالد حماد وهيثم مفيد. هذا النوع من الحضور أكثر فائدة لصُنّاع السينما المصرية، لأنه يجعل احتمالات الحوار والتشبيك والملاحظات المهنية أكثر قربًا من واقع الصناعة في مصر.

ومن المهم أيضًا قراءة هذه اللجان مع تصريحات إدارة المهرجان حول توسيع برنامج «سيني جونة» وتكامله مع مبادرات سابقة، وهو ما يشير إلى أن الجونة لا يريد أن يكون مجرد شاشة عرض، بل منصة تجمع بين العرض والتطوير والتمويل والتواصل المهني. هذه نقطة مركزية لأي سينمائي مصري يحاول اليوم الانتقال من مشروع على الورق إلى فيلم مكتمل.

ما هو برنامج «أصوات مصرية» ولماذا يستحق الانتباه؟

إذا كانت لجان التحكيم تقول شيئًا عن معايير التقييم، فإن برنامج «أصوات مصرية» يقول الكثير عن شكل الدعم نفسه. البرنامج أُطلق هذا العام ضمن «سيني جونة لدعم إنتاج الأفلام» ليستهدف صُنّاع الأفلام المصريين في المراحل الأولى من تطوير المشروعات. ووفق ما أُعلن، فهو يوفر تدريبًا وإرشادًا وأدوات متخصصة تساعد كل مشروع بحسب احتياجاته، مع تركيز على تطوير ملف الفيلم، وإعداد العرض التقديمي، ووضع خطط الإنتاج، بهدف تحسين فرص الحصول على التمويل.

الأهمية هنا أن الجونة يعترف بمشكلة مزمنة في السوق المصرية: كثير من الأفكار الجيدة لا تسقط لأن أصحابها بلا موهبة، بل لأن المشروع لم يصل بعد إلى صيغة احترافية يمكن تقديمها للمنتجين أو جهات الدعم. من هنا يأتي معنى «أصوات مصرية»: دعم الصانع قبل اكتمال الفيلم، وليس انتظار مشروع ناضج أصلًا ثم منحه دفعة أخيرة.

بحسب ما أُعلن، اختار البرنامج هذا العام أربعة مشروعات مصرية للمشاركة في مساره التدريبي غير التنافسي، كما أُدرجت هذه المشروعات ضمن النسخة التاسعة من «سيني جونة»، التي استقبلت أكثر من 310 مشروعات من أنحاء العالم العربي، قبل اختيار 23 مشروعًا إجمالًا، بينها 13 مشروعًا في التطوير و6 في ما بعد الإنتاج و4 مشروعات ضمن «أصوات مصرية». هذه الأرقام تضع المبادرة في سياق واضح: هي ليست نشاطًا جانبيًا، بل مسارًا مُعترفًا به داخل منصة صناعة أكبر.

ماذا يعني ذلك لصُنّاع السينما المصرية هذا العام؟

1) فرص أفضل للمشروعات الأولى

السينمائي المصري الشاب، أو حتى المخرج الذي يملك مشروعه الروائي أو الوثائقي الأول، غالبًا ما يصطدم مبكرًا بأسئلة الإنتاج قبل أن يجد فرصة حقيقية لتطوير فكرته. «أصوات مصرية» يتدخل تحديدًا في هذه الفجوة، عبر تجهيز المشروع ليصبح قابلًا للطرح أمام المنتجين والممولين.

2) نقل قيمة المهرجان من الاحتفاء إلى الصناعة

أهمية الجونة للمصريين هذا العام ليست فقط في العروض والضيوف، بل في تحويل المهرجان إلى أداة عمل. لجان التحكيم تمنح شرعية فنية، لكن برامج التطوير تمنح فرصة حياة فعلية للمشروع.

3) تعزيز حضور الخبرة المصرية داخل المشهد الأوسع

حين تشارك أسماء مصرية في لجان التحكيم، وبالتوازي معها برامج مخصصة للمصريين، يصبح الحديث عن دعم السينما المصرية أكثر ملموسية. هذا مهم في لحظة تبحث فيها الصناعة عن تجديد الدماء وتوسيع قاعدة المخرجين والمنتجين المستقلين.

4) ربط السوق المحلية بالشبكات الإقليمية والدولية

تقديم المشروعات أمام منتجين وموزعين ووكلاء مبيعات ومبرمجي مهرجانات يعني أن الجونة يمكن أن يتحول، بالنسبة لبعض المشروعات المصرية، إلى محطة عبور من الفكرة المحلية إلى الشراكة العربية أو الدولية.

الخلاصة: دورة تقاس بنتائجها على الأرض

مع انطلاق مهرجان الجونة السينمائي 2026 غدًا، تبدو قيمة الدورة التاسعة بالنسبة للسينما المصرية مرتبطة بما هو أبعد من البريق المعتاد. لجان التحكيم الجديدة تمنح إشارة إلى معايير أكثر تنوعًا واحترافية في قراءة الأفلام، بينما يمنح برنامج «أصوات مصرية» مساحة نادرة للتعامل مع المشكلة الأكثر حساسية في الصناعة: كيف يتحول المشروع المصري من فكرة واعدة إلى ملف إنتاج مقنع ثم إلى فيلم ممكن التحقيق.

ولهذا، فإن الرهان الحقيقي هذا العام ليس فقط على من سيفوز بجوائز الجونة، بل على ما إذا كانت هذه الدورة ستنجح في ترك أثر عملي على مسار صُنّاع السينما المصرية خلال الشهور التالية. وإذا تحقق ذلك، فستكون الدورة التاسعة واحدة من أكثر دورات الجونة اتصالًا بواقع الصناعة في مصر، لا بمجرد صورتها الاحتفالية.