Egypt Box Office

«البرّانية» بعد فينيسيا: ريف مصري جديد على الشاشة

بعد «فينيسيا».. لماذا يبدو «البرّانية» لحظة فارقة؟

جاء العرض العالمي الأول لفيلم «البرّانية» يوم 3 سبتمبر 2026 ضمن برنامج «أيام المؤلفين» في الدورة 83 من مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي، وهي دورة تقام بين 2 و12 سبتمبر 2026. هذا الظهور لم يكن تفصيلًا عابرًا في مسيرة فيلم مصري مستقل، بل محطة لافتة لأن العمل هو أول فيلم روائي طويل للمخرجة المصرية-الهولندية أشجان الهمص، ولأنه يضع الريف المصري في قلب الحكاية لا على هامشها.

بحسب صفحة الفيلم الرسمية في «أيام المؤلفين»، عُرض «البرّانية» للصحافة والصناعة يوم 2 سبتمبر، ثم أقيم عرضه الجماهيري العالمي الأول يوم 3 سبتمبر الساعة 11 صباحًا في Sala Perla مع جلسة نقاش لاحقة. وتؤكد المصادر نفسها أن الفيلم إنتاج مشترك بين هولندا ومصر وبلجيكا والسعودية، ومدته 84 دقيقة، ومن إنتاج BALDR Film مع مشاركة Seera Films المصرية وCZAR Film البلجيكية، بينما تولى الإنتاج فرانك هوفه وشاركت في الإنتاج قسمت السيد ويوريديس خيسل.

ما الذي يرويه «البرّانية» عن الريف المصري؟

قصة الفيلم، كما وردت في المواد الرسمية للمهرجان، تدور حول أمل، وهي امرأة حامل تعيش مع عائلتها في قرية البرّانية المحاطة بحقول الياسمين على أطراف القاهرة. تنقلب حياتهم عندما يظهر عرض لشراء الأرض التي تعيش عليها الأسرة، فينشأ انقسام داخلي بين التشبث بالجذور والانجذاب إلى مستقبل آخر في المدينة. ومع وصول ابنة العم رانيا من القاهرة، تتضاعف الأسئلة حول ما إذا كانت الحياة المرسومة للفتيات في القرية هي الحياة التي يردنها فعلًا.

هذه الحبكة مهمة لأنها لا تقدم الريف المصري بوصفه ديكورًا أو خلفية فولكلورية، بل باعتباره فضاءً اجتماعيًا متوترًا ومعاصرًا: أرض مهددة بالبيع، عائلة ممتدة، مدينة تضغط من الخارج، وشابات ينظرن إلى العالم عبر صور جديدة للحياة. هنا لا يصبح الصراع بين «القرية» و«المدينة» مجرد ثنائية تقليدية، بل سؤالًا عن الملكية والانتماء والطبقة والتحول الاجتماعي.

بطولة نسائية وصوت من الداخل

يلعب الفيلم على حضور نسائي واضح، تقوده ريم عامر في دور أمل، إلى جانب فاطمة إبراهيم الهمص ونادية أحمد الحضري وأسماء أحمد الحضري وفريدة السيد الهمص وفاطمة فرحات الحضري وسارة علي الحضري. هذا التكوين التمثيلي، كما تكشفه قائمة الأبطال الرسمية، يعزز الإحساس بأن الفيلم لا يراقب الريف من الخارج، بل يحاول الاقتراب من نسيجه العائلي واليومي.

وتكتسب هذه النقطة وزنًا إضافيًا مع تصريح أشجان الهمص في صفحة الفيلم الرسمية، إذ أوضحت أن «البرّانية» هي القرية التي تنحدر منها عائلتها، وأن تجربتها الشخصية هناك ألهمتها لصنع فيلم عن الحياة البسيطة وروابط النساء والعائلة. أهمية هذا التصور أنه يمنح العمل شرعية حساسة: لسنا أمام ريف «متخيل» صُمم لإرضاء عين مهرجانية أجنبية، بل أمام ريف متذكر ومعاش، تُبنى صورته من خبرة قرب وانتماء.

كيف يفتح نجاح أشجان الهمص الباب أمام حضور جديد للريف المصري؟

إذا كان نجاح «البرّانية» قد بدأ من مجرد الوصول إلى منصة بحجم «فينيسيا»، فإن الأهم هو نوع التمثيل الذي يحمله. لسنوات طويلة، ظهر الريف المصري في قطاعات واسعة من السينما إما كرمز للماضي، أو كبيئة للميلودراما، أو كمساحة للعنف الاجتماعي، أو كعالم شديد الاختزال. أما «البرّانية» فيبدو أنه ينتمي إلى مسار آخر: ريف قريب من القاهرة، تحاصره تحولات الاقتصاد والعمران، وتعيش داخله نساء يفكرن في المستقبل لا في النجاة فقط.

هذا التحول مهم لعدة أسباب:

  • أولًا: لأنه يعيد الاعتبار إلى القرية المصرية كمساحة سردية حديثة، لا كصورة أرشيفية.
  • ثانيًا: لأنه يربط سؤال الأرض بسؤال الجسد والعائلة والعمل والهجرة الداخلية نحو المدينة.
  • ثالثًا: لأنه يقدم بطلة ريفية حامل في مركز الحكاية، بما يحول التجربة النسائية من تفصيلة جانبية إلى عمود درامي أساسي.
  • رابعًا: لأنه يثبت أن القصص المحلية جدًا يمكن أن تكون مفهومة عالميًا عندما تُروى بصدق ودقة.

من «الموضوع المصري» إلى «اللغة السينمائية المصرية»

نجاح أشجان الهمص لا يعني فقط أن فيلمًا عن الريف وصل إلى مهرجان كبير، بل يعني أيضًا أن السينما المصرية تملك فرصة لتوسيع قاموسها البصري والدرامي. فحسب البيانات الرسمية، كتب السيناريو أشجان الهمص مع رولوف-يان مينيبو، وصوّر الفيلم دووه هينينك، ووضع الأزياء ندى عادل. هذا الخليط الإنتاجي الدولي لا يلغي مصريّة الموضوع، بل يوضح أن الحكاية المصرية يمكن أن تخرج إلى العالم عبر شراكات إنتاجية دون أن تفقد خصوصيتها.

ومن هنا يمكن قراءة «البرّانية» كإشارة عملية لصناع الأفلام الشباب في مصر: القصص الموجودة خارج المركز المديني، وخارج الأحياء المعروفة في القاهرة، ليست أقل قابلية للتداول الدولي. بالعكس، قد تكون أكثر قدرة على البقاء إذا امتلكت تفاصيل دقيقة وشخصيات حقيقية وصراعًا اجتماعيًا ملموسًا.

لماذا يهم هذا القارئ المصري الآن؟

للقارئ في مصر، تبدو أهمية «البرّانية» مضاعفة. فالفيلم لا يتعامل مع الريف باعتباره «آخر» بعيدًا، بل كجزء من سؤال مصري واسع عن الأرض والسكن والانتقال الاجتماعي وتبدل أنماط العائلة. وفكرة بيع أرض الأجداد في الفيلم ليست مجرد حبكة، لكنها تمس وجدانًا مصريًا يعرف جيدًا معنى الأرض بوصفها ميراثًا وسترًا وهوية.

كما أن وجود الفيلم في «فينيسيا» يمنح هذا السؤال المحلي منصة دولية محترمة. ومجرد اختيار العمل في برنامج «أيام المؤلفين» يضعه في سياق سينما المؤلف التي تراهن على الصوت الشخصي والاختيارات الجمالية الواضحة، لا على المعادلات التجارية السهلة. لهذا يمكن القول إن أشجان الهمص لم تفتح الباب فقط أمام حضورها الشخصي، بل أمام تصور جديد لريف مصري يمكن أن يُرى عالميًا من دون أن يتنازل عن لهجته وحساسيته.

ما الذي يمكن أن يتغير بعد «البرّانية»؟

لن يغير فيلم واحد خريطة التمثيل كاملة، لكن «البرّانية» قد يشجع على ثلاثة مسارات واضحة داخل السينما المصرية:

  • العودة إلى القصص الإقليمية خارج المركز القاهري المعتاد، خصوصًا في الدلتا والوجه القبلي والقرى المتاخمة للعاصمة.
  • منح الشخصيات النسائية الريفية مساحات أكثر عمقًا بعيدًا عن القوالب الجاهزة.
  • الانفتاح على إنتاجات مشتركة تسمح لأفلام مصرية ذات خصوصية محلية بأن تنافس دوليًا.

في هذا المعنى، فإن نجاح أشجان الهمص في تقديم «البرّانية» إلى جمهور «فينيسيا» يوم 3 سبتمبر 2026 لا يُختصر في تصفيق مهرجاني أو حضور على السجادة، بل في قدرته على تذكير الصناعة بأن الريف المصري ما زال مليئًا بحكايات لم تُروَ بعد، وبأن هذه الحكايات حين تُصاغ بصدق، يمكنها أن تجد مكانها في أهم المهرجانات العالمية، وأن تعود في الوقت نفسه لتخاطب المشاهد المصري من قلب خبرته اليومية.

لهذا يبدو «البرّانية» أكثر من بداية واعدة لمخرجة جديدة؛ إنه اختبار حقيقي لإمكانية استعادة الريف المصري كحاضر سينمائي نابض، لا كماضٍ محفوظ في الذاكرة فقط.