Egypt Box Office

أفلام عربية من التسعينات تستحق العودة إلى الواجهة

لماذا عادت أفلام التسعينات العربية إلى دائرة الاهتمام؟

في كل مرة تُنشر فيها قوائم عن أفضل أفلام التسعينات، يذهب الضوء غالبًا إلى العناوين الأمريكية والأوروبية التي تحولت إلى “كلاسيكيات” دائمة التداول. لكن داخل السينما العربية نفسها، توجد أعمال من العقد ذاته امتلكت الجرأة الفنية والقدرة على قراءة المجتمع، ثم تراجع حضورها في النقاش العام رغم أنها لا تزال تستحق المشاهدة والمراجعة. بالنسبة للقارئ المصري، فإن استعادة هذه الأفلام ليست مجرد حنين، بل فرصة لفهم كيف كانت المنطقة ترى السلطة والهوية والمرأة والحرب والهجرة في لحظة مفصلية سبقت الألفية الجديدة.

التسعينات كانت فترة شديدة الثراء في مصر والمغرب العربي وبلاد الشام. بعض الأفلام بقي في الواجهة، بينما انزلق بعضها الآخر إلى الهامش رغم مشاركاته في مهرجانات كبرى أو تأثيره اللاحق على أجيال من المخرجين. ومن بين هذه الأعمال، يبرز فيلم “صمت القصور” التونسي بوصفه واحدًا من أهم النماذج التي تستحق العودة إلى الواجهة اليوم.

“صمت القصور”.. فيلم عربي كبير لا يُذكر بالقدر الكافي

فيلم “صمت القصور” أخرجته التونسية مفيدة التلاتلي عام 1994، وشارك في كتابته نوري بوزيد. العمل ضم في بطولته هند صبري، التي كان هذا الفيلم من بداياتها المبكرة جدًا، إلى جانب هشام رستم وفاطمة بن سعيدان ونجية الورغي، بحسب بيانات “السينما.كوم”. كما يؤكد موقع مهرجان كان أن الفيلم شارك في “أسبوع المخرجين” عام 1994 ونال تنويهًا خاصًا من الكاميرا الذهبية، وهو ما يفسر مكانته النقدية عربيًا ودوليًا.

تكمن قوة الفيلم في أنه لا يكتفي بسرد حكاية شخصية، بل يستخدم القصر بوصفه صورة مصغرة لعلاقات السلطة والطبقة والجسد داخل المجتمع. البطلة “عليا” تعود إلى مكان طفولتها بعد وفاة أحد أفراد الأسرة الحاكمة السابقة، فتتدفق الذكريات وتنكشف طبقات الصمت التي أحاطت بحياة النساء العاملات داخل القصر. هذه المعالجة جعلت الفيلم علامة مهمة في السينما التونسية، كما أن مؤسسات سينمائية دولية ما زالت تعرضه في برامج استعادة التراث حتى اليوم.

ومن المهم للقارئ المصري أن يتذكر أن هند صبري، النجمة التونسية المعروفة في مصر والعالم العربي، ظهرت في هذا الفيلم قبل سنوات من تحولها إلى واحدة من أبرز الوجوه في السينما والدراما العربية. ولهذا فإن إعادة مشاهدة “صمت القصور” اليوم تكشف أيضًا جذور مسار فني طويل ارتبط لاحقًا بالجمهور المصري.

نماذج عربية أخرى من التسعينات خرجت من دائرة الكلام

1) المهاجر.. يوسف شاهين خارج المنطقة الآمنة

إذا كان اسم يوسف شاهين لا يمكن اعتباره “منسيًا”، فإن بعض أفلامه من التسعينات لم تعد حاضرة بالقدر نفسه في النقاش الجماهيري، وعلى رأسها “المهاجر” الصادر عام 1994. بيانات “السينما.كوم” تشير إلى أن الفيلم عُرض في مصر يوم 26 سبتمبر 1994، وهو من إخراج يوسف شاهين وتأليفه مع رفيق الصبان، وبطولة خالد النبوي. كما يذكر الموقع أن الفيلم جاء ضمن قائمة أفضل 100 فيلم في ذاكرة السينما المصرية وفق استفتاء للنقاد.

ورغم هذه المكانة، لا يحضر “المهاجر” كثيرًا في قوائم المشاهدة السريعة بين الأجيال الجديدة داخل مصر. ربما لأن الفيلم يطلب من المتفرج جهدًا أكبر في التلقي، أو لأنه ينتمي إلى مرحلة من سينما شاهين كانت أكثر اشتغالًا على الرمزي والملحمي. لكن قيمته اليوم مضاعفة، خصوصًا لمن يريد فهم كيف تعاملت السينما المصرية مع أسئلة الهوية والسلطة والسرد التاريخي في التسعينات.

2) بيروت الغربية.. ذاكرة الحرب من منظور يومي

من لبنان، يظل “بيروت الغربية” لمروان حامد؟ لا، الفيلم في الحقيقة للمخرج اللبناني زياد الدويري وصدر عام 1998، وهو من الأعمال التي عكست الحياة اليومية خلال الحرب الأهلية من خلال عيون شباب مراهقين. صفحات “السينما.كوم” الخاصة بالفيلم توثق العمل ضمن إنتاجات 1998 وتثبت وجوده في السجل العربي المتداول، حتى لو تراجع حضوره في النقاش الشعبي الحالي.

أهمية هذا النوع من الأفلام بالنسبة للجمهور في مصر أنه يقرّب تاريخ المنطقة من الحياة العادية: المدرسة، الشارع، الصداقات، والعلاقات العابرة التي تعيش تحت ضغط الانقسام السياسي. وبهذا المعنى، فإن الفيلم لا يخص لبنان وحده، بل يخص الذاكرة العربية الأوسع.

3) حلفاوين.. تونس التي سبقت كثيرًا من النقاشات الحالية

فيلم “حلفاوين: عصفور السطح” للمخرج التونسي فريد بوغدير صدر عام 1990، وتوثقه السينماتيك الفرنسية بوصفه إنتاجًا تونسيًا-فرنسيًا شارك فيه ممثلون مثل فاطمة بن سعيدان ومصطفى العدواني، مع موسيقى لأنور إبراهيم. كما أشار معهد الفيلم البريطاني إلى الفيلم ضمن أمثلة بارزة من السينما التونسية التي صنعت حضورًا مهمًا في مطلع التسعينات.

الفيلم لم يعد يتصدر الحديث عربيًا رغم أنه يملك حساسية بصرية واجتماعية لافتة، ويقترب من مرحلة المراهقة والتحولات الاجتماعية بنبرة تجمع بين الحميمية والجرأة. وهذه النوعية من الأفلام تبدو اليوم أكثر راهنية مما كانت عليه عند عرضها الأول.

لماذا اختفت هذه الأفلام من الحديث العام؟

تراجع الكلام عن كثير من أفلام التسعينات العربية لا يعني أنها ضعيفة، بل يرتبط بعدة عوامل متداخلة:

  • ضعف الإتاحة الرقمية: ليست كل هذه الأفلام متوفرة بسهولة على المنصات المتداولة في المنطقة.
  • هيمنة العناوين الأشهر: أفلام بعينها احتكرت الذاكرة الجماهيرية، خصوصًا في السوق المصري.
  • تغيّر طبيعة التلقي: الجمهور السريع على المنصات الاجتماعية يميل إلى الأعمال القصيرة الأثر أو ذات الشهرة المسبقة.
  • نقص إعادة الترويج: كثير من الكلاسيكيات العربية لا تحصل على حملات استعادة نقدية أو عروض مرممة منتظمة.

ومع ذلك، فإن المؤشرات الثقافية في السنوات الأخيرة تقول إن الاهتمام بالتراث السينمائي العربي يتجدد تدريجيًا، خاصة مع توسع برامج الاستعادات في المهرجانات ودور العرض الفنية والكتابة الجديدة عن السينما العربية.

لماذا يهم القارئ المصري أن يعيد اكتشافها الآن؟

لأن هذه الأعمال لا تعيش خارج السياق المصري، بل داخله. فحين يشاهد المتفرج في مصر “صمت القصور” أو “المهاجر” أو “بيروت الغربية”، فهو لا يتابع تاريخًا بعيدًا، بل يقرأ أسئلة ما زالت مطروحة: علاقة الفرد بالسلطة، صورة المرأة، آثار الحرب، والهوية العربية في مواجهة التحولات الاجتماعية. كما أن كثيرًا من النجوم والمخرجين الذين نعرفهم اليوم مرّوا عبر هذه اللحظة التأسيسية قبل أن يصبحوا أسماء جماهيرية.

اللافت أيضًا أن بعض هذه الأفلام يبدو أكثر حداثة من أعمال أحدث منه بسنوات، سواء في الشكل البصري أو البناء الدرامي أو الجرأة الفكرية. لهذا، فإن إدراجها مجددًا في النقاش ليس مجاملة للماضي، بل تصحيح لذاكرة سينمائية عربية اختزلت التسعينات في عدد محدود من العناوين.

الخلاصة

إذا كانت القوائم الغربية تتحدث عن “أفضل أفلام منسية من التسعينات”، فإن السينما العربية تملك بدورها قائمة طويلة تستحق إعادة النظر، ويأتي “صمت القصور” في مقدمتها باعتباره فيلمًا عربيًا كبيرًا جمع بين القيمة الفنية والاعتراف الدولي والقدرة المستمرة على مساءلة المجتمع. إلى جواره تقف أعمال مثل “المهاجر” و“بيروت الغربية” و“حلفاوين” بوصفها أفلامًا لم تفقد أهميتها، لكنها فقدت فقط مساحة الكلام عنها. وربما حان الوقت، من القاهرة إلى تونس وبيروت، لاستعادتها كما يجب.