أعظم أداء تمثيلي في سينما القرن 21؟ لماذا يتصدر دانيال داي لويس النقاش
استطلاع نقدي يعيد السؤال الأصعب في السينما الحديثة
عاد الجدل من جديد حول سؤال يحبه عشاق السينما والنقاد على حد سواء: ما هو أعظم أداء تمثيلي في أفلام القرن الحادي والعشرين؟ الفكرة هذه المرة لا تأتي من تصنيف عابر على مواقع التواصل، بل من مشروع نقدي جرى العمل عليه على مدار شهور طويلة، اعتمد على جمع مئات الترشيحات من نقاد سينمائيين لاختيار الأداء الأكثر تأثيرًا وهيمنة على الشاشة، بعيدًا عن الفصل التقليدي بين الممثلين والممثلات.
وبحسب ما جرى تداوله عن المشروع، فقد تم جمع أكثر من 400 بطاقة تصويت من النقاد حتى الآن، مع هدف معلن للوصول إلى 500 قبل إعلان القائمة النهائية. وفي انتظار الحصيلة الكاملة، جرى التمهيد لنشر قائمة موسعة تضم 30 أداءً حصدت أكبر عدد من الأصوات، تمهيدًا لإشراك القراء في التصويت على الأداء الأبرز في سينما الألفية الجديدة.
بالنسبة للقارئ المصري، هذا النوع من الاستفتاءات لا يهم فقط محبي الجوائز، بل يفتح بابًا مهمًا لمراجعة كيف تغيّر فن التمثيل عالميًا خلال آخر ربع قرن: من الأداءات الواقعية القاسية، إلى الشخصيات النفسية المركبة، وصولًا إلى الأدوار التي تحولت إلى مرجع دائم في أي نقاش عن عبقرية الممثل أمام الكاميرا.
لماذا يتصدر دانيال داي لويس هذا النقاش؟
إذا كان هناك اسم يبدو حاضرًا بقوة في أي قائمة من هذا النوع، فهو بلا شك دانيال داي لويس عن دوره بدور دانيال بلاينفيو في فيلم There Will Be Blood الصادر عام 2007، من إخراج بول توماس أندرسون. الأداء لا يُستدعى فقط بسبب شدته أو حضوره الطاغي، بل لأنه أصبح نموذجًا لدور يبتلع الفيلم من فرط القوة دون أن يفقد توازنه الدرامي. وقد تُوّج داي لويس عن هذا الدور بجائزة الأوسكار لأفضل ممثل في حفل 2008، كما فاز أيضًا بجائزة BAFTA عن الفئة نفسها.
أهمية هذا الأداء لا تنبع فقط من الجوائز، بل من الطريقة التي بُنيت بها الشخصية: رجل نفط تحركه الرغبة في السيطرة أكثر مما تحركه الثروة، يتحدث بنبرة محسوبة، ويُخفي داخل كل نظرة غضبًا واحتقارًا ورغبة في الهيمنة. لهذا يراه كثيرون أحد العلامات الفارقة في تمثيل القرن الحالي، خصوصًا أن الفيلم نفسه لا يزال حاضرًا بقوة في قوائم أفضل أفلام الألفية الجديدة.
خواكين فينكس.. المنافس الأكثر شراسة
على الجانب الآخر، يبرز اسم خواكين فينكس عن شخصية فريدي كويل في فيلم The Master (2012)، أيضًا من توقيع بول توماس أندرسون. هذا الأداء يُنظر إليه باعتباره واحدًا من أكثر الأدوار الجسدية والنفسية تطرفًا في سينما السنوات الأخيرة؛ فالشخصية تبدو مهشمة من الداخل، مضطربة في الحركة والنبرة والتكوين النفسي، ومع ذلك شديدة الإنسانية.
فيلم The Master نال ترشيحًا لجوائز الأوسكار، وكان خواكين فينكس من بين المرشحين لجائزة أفضل ممثل عن الدور، فيما حصد الفيلم إشادة واسعة كذلك بفضل أداءات فيليب سيمور هوفمان وإيمي آدامز.
وإذا كان أداء داي لويس في There Will Be Blood يمثل السيطرة الكاملة على الشاشة، فإن أداء فينكس في The Master يمثل النقيض الجذاب: انفلات داخلي دائم، وجسد يبدو كما لو أنه يقاوم العالم. لهذا السبب، غالبًا ما يظهر الاسمان معًا في مقدمة أي حديث جاد عن أفضل أداءات القرن 21.
أسماء لا يمكن تجاهلها في سباق أعظم أداء
بعيدًا عن ثنائية داي لويس وفينكس، هناك مجموعة من الأداءات التي تحولت إلى محطات أساسية في تاريخ التمثيل المعاصر، وبعضها يُستعاد باستمرار داخل دوائر النقد السينمائي:
- إيزابيل أوبير في The Piano Teacher (2001): أداء قاسٍ نفسيًا، شديد الجرأة، ولا يزال يُذكر باعتباره من أكثر الأدوار تعقيدًا في السينما الأوروبية الحديثة.
- خافيير بارديم في No Country for Old Men (2007): تجسيده لشخصية أنطون شيغور منح السينما واحدًا من أكثر الأشرار رعبًا وغموضًا، وهو الدور الذي فاز عنه بأوسكار أفضل ممثل مساعد.
- دانيال داي لويس مجددًا في Gangs of New York (2002): شخصية بيل الجزار لا تزال من أكثر الشخصيات التي فرضت حضورها على الفيلم بأكمله.
- نعومي واتس في Mulholland Drive (2001): أداء يعتمد على التحولات العاطفية الحادة، ويُعد عند كثير من النقاد من أكثر أدوار الألفية دهشة.
- دينيس لافان في Holy Motors (2012): أداء استعراضي ومعقد، يراه كثيرون احتفاءً بتاريخ التمثيل والسينما معًا.
هذه الأسماء لا تنتمي إلى مدرسة واحدة، وهنا تكمن جاذبية النقاش. فالمقارنة ليست بين أداءات متشابهة، بل بين تصورات مختلفة تمامًا لما يمكن أن ينجزه الممثل داخل الفيلم: الرعب الصامت، الانهيار النفسي، الكاريزما المدمرة، أو التلون الكامل مع كل مشهد.
ما الذي يجعل أداءً ما “الأعظم” فعلًا؟
في الكتابة النقدية، لا يكفي أن يكون الأداء مؤثرًا أو محبوبًا جماهيريًا حتى يدخل في فئة أعظم أداء تمثيلي. هناك معايير أكثر تعقيدًا: هل غيّر الدور صورة الممثل إلى الأبد؟ هل خلق شخصية يصعب نسيانها حتى بعد سنوات؟ هل استطاع أن يرفع مستوى الفيلم كله؟ وهل يمكن فصل الفيلم نفسه عن هذا الأداء؟
في حالة There Will Be Blood مثلًا، يصعب الحديث عن الفيلم من دون استدعاء دانيال بلاينفيو. وفي حالة The Master، يكاد يكون اضطراب فريدي كويل هو المحرك الحقيقي لتجربة المشاهدة. هذا النوع من الأداءات لا يكتفي بخدمة السيناريو، بل يعيد تعريفه من الداخل.
ومن زاوية مصرية وعربية، فإن هذا الجدل يهم شريحة واسعة من القراء الذين يتابعون قوائم “أفضل أفلام القرن” و”أعظم الممثلين”، لكنه هذه المرة أكثر تخصصًا، لأنه يركز على فن الأداء نفسه، لا على الفيلم ككل. وهي زاوية ثرية لمحبي المراجعات السينمائية الجادة، خصوصًا في وقت تتزايد فيه المناقشات حول الفروق بين الأداء الاستعراضي والأداء المتقشف، وبين التقمص الكامل والحضور الكاريزمي.
القائمة المنتظرة.. ولماذا تستحق المتابعة؟
القيمة الحقيقية لأي قائمة قادمة لن تكون فقط في اسم الفائز، بل في خريطة الذوق النقدي التي ستكشفها: هل يميل النقاد إلى الأداءات الكبيرة ذات النبرة الملحمية؟ أم يفضلون الأدوار الداخلية الهامسة؟ وهل ستفرض السينما الأمريكية هيمنتها، أم سيكون للسينما الأوروبية والآسيوية موطئ قدم قوي؟
حتى قبل صدور النتائج النهائية، يبدو واضحًا أن أسماء مثل دانيال داي لويس، خواكين فينكس، خافيير بارديم، إيزابيل أوبير ونعومي واتس ستظل في قلب هذا السجال. لكن الأهم أن النقاش نفسه يذكّرنا بأن التمثيل في القرن الحادي والعشرين لم يعد مجرد أداء جيد داخل فيلم جيد، بل أصبح في أفضل حالاته فنًا مستقلًا قادرًا على صناعة الذاكرة السينمائية وحده.
ولهذا، إذا كان علينا ترشيح اسم يتصدر العنوان الآن، فسيبقى دانيال داي لويس في There Will Be Blood المرشح الأبرز والأكثر تكرارًا في المزاج النقدي العالمي، مدعومًا باعتراف مؤسسي كبير من الأوسكار وBAFTA، وبإجماع مستمر على أن الشخصية التي قدمها لم تكن مجرد دور ناجح، بل علامة فارقة في تاريخ الأداء على الشاشة.