آرون سوركين يفاجئ هوليوود: لا أملك حسًا بصريًا
اعتراف صريح من آرون سوركين يعيد النقاش حول صُنّاع الصورة في هوليوود
في وقت يتواصل فيه الحديث عن علاقة السينما الكبرى بعالم التكنولوجيا ومنصات التواصل، خرج الكاتب والمخرج الأمريكي آرون سوركين باعتراف لافت أثار اهتمام المتابعين والنقاد معًا، إذ قال بوضوح إن من بين نقاط ضعفه الأساسية في الإخراج أنه لا يملك “حسًا بصريًا” قويًا. هذا التصريح جاء بينما يعود سوركين إلى المنطقة الدرامية نفسها التي صنعت أحد أشهر أفلام العقد الماضي، أي عالم فيسبوك، لكن هذه المرة عبر فيلم The Social Reckoning الذي كتبه وأخرجه بنفسه.
أهمية هذا الاعتراف لا تأتي فقط من صراحته، بل من توقيته أيضًا. فاسم سوركين ارتبط طويلًا بفيلم The Social Network الصادر عام 2010، وهو العمل الذي كتبه بينما تولّى ديفيد فينشر الإخراج، وخرج وقتها بصورة سينمائية متماسكة جعلته واحدًا من أكثر الأفلام تأثيرًا في تقديم حكايات وادي السيليكون على الشاشة. الفيلم الأصلي كان من إنتاج وتوزيع كولومبيا بيكتشرز التابعة لسوني، ودار حول مؤسسي موقع فيسبوك في بداياته.
من كتابة “The Social Network” إلى قيادة الفيلم الجديد بنفسه
وفق مقابلات نُشرت في أكتوبر 2026، شدد سوركين على أن The Social Reckoning ليس جزءًا ثانيًا تقليديًا بقدر ما هو “رفيق” أو امتداد موضوعي لفيلم 2010، إذ ينتقل من سؤال: كيف وُلد فيسبوك؟ إلى سؤال أكثر قتامة: ماذا صار تأثيره على المجتمع والسياسة والحياة العامة؟ الفيلم الجديد من كتابة وإخراج آرون سوركين، ويضم ميكي ماديسون في دور فرانسيس هاوجن، وجيريمي ألين وايت في دور الصحفي جيف هورويتز، وجيريمي سترونج في دور مارك زوكربيرغ بعد أن كان جيسي آيزنبرغ قد جسّد الشخصية في الفيلم الأول.
وللقارئ العربي، وخصوصًا في مصر حيث يلقى هذا النوع من أفلام “ما وراء العناوين” اهتمامًا متزايدًا بين جمهور المنصات، تبدو المقارنة بين سوركين وفينشر جوهرية. الأول معروف بقوة الحوار والبناء الدرامي، والثاني من أبرز من صنعوا أسلوبًا بصريًا صارمًا ومميزًا في السينما الأمريكية الحديثة. لذلك فإن اعتراف سوركين بحدوده على مستوى الصورة لا يبدو تفصيلًا عابرًا، بل مفتاحًا لفهم الفارق بين الفيلمين.
ما الذي قصده سوركين بغياب “الحس البصري”؟
في حديثه عن تجربته، أوضح سوركين أن نقطة ضعفه تكمن في الجانب البصري من صناعة الفيلم، ولهذا يعتمد بقوة على المتخصصين حوله، خصوصًا مدير التصوير ومصمم الإنتاج. وأشار إلى أنه يفضّل إحاطة نفسه بأشخاص يملكون قوة في المساحات التي يشعر أنه أقل خبرة فيها. اللافت أن مدير التصوير جيف كروننويث عاد هنا كحلقة وصل مباشرة مع The Social Network، ما يمنح المشروع الجديد بعضًا من “DNA” الفيلم الأول، بحسب وصف سوركين نفسه.
هذا النوع من الاعترافات نادر نسبيًا في هوليوود، حيث يميل كثير من صنّاع الأفلام إلى تقديم صورة متكاملة عن قدراتهم. لكن سوركين اختار نبرة أقرب إلى المكاشفة المهنية، وهو ما فتح بابًا واسعًا للنقاش: هل يمكن لسيناريست كبير أن يقود فيلمًا مهمًا من دون أن يكون صاحب رؤية بصرية حاسمة؟ الإجابة هنا ليست بسيطة، لأن تاريخ السينما مليء بمخرجين بنوا أعمالهم على قوة النص والممثلين والإيقاع أكثر من اعتمادهم على الاستعراض البصري. ومع ذلك، فإن موضوعًا بحجم فيسبوك وتأثيراته يحتاج غالبًا إلى توازن دقيق بين الفكرة والصورة، بين النقاش الأخلاقي والتجسيد السينمائي.
فيلم جديد من رحم “ملفات فيسبوك”
المادة الدرامية في The Social Reckoning تستند إلى وقائع مرتبطة بكشف المبلغة فرانسيس هاوجن وثائق داخلية عن فيسبوك، وإلى التحقيقات الصحفية التي ارتبطت بسلسلة The Facebook Files في صحيفة The Wall Street Journal. وتعرض هذه الحكاية كيف تحولت منصة بدأت كمشروع جامعي إلى كيان عالمي ضخم تُطرح حوله أسئلة تتعلق بالخوارزميات، والاستقطاب، وتأثير المحتوى على المستخدمين والمجتمعات. كما أن أسماء هاوجن وهورويتز حاضرة في البناء الدرامي للفيلم الجديد بشكل مباشر.
ومن الناحية الزمنية، يكتسب المشروع أهميته من كونه يأتي بعد 16 عامًا تقريبًا من صدور The Social Network، وهي فترة كافية لتغيّر صورة فيسبوك بالكامل في المخيال العام. ففي 2010 كان التركيز على الطموح، والسلطة، والصداقة والخيانة في بيئة ريادة الأعمال. أما الآن، فالنقاش انتقل إلى نفوذ المنصات وتأثيرها في الأخبار والرأي العام وصحة المستخدمين، وهي موضوعات باتت مألوفة جدًا للجمهور العربي مثلما هي مألوفة في الغرب.
هل غياب ديفيد فينشر هو سبب المقارنة الحادة؟
لا يمكن قراءة تصريحات سوركين من دون استحضار اسم ديفيد فينشر، الذي أخرج الفيلم الأول. ففينشر لم يكن مجرد منفذ لنص قوي، بل شريكًا أساسيًا في تشكيل نبرة The Social Network الباردة، المتوترة، والمشحونة بإحساس دائم بالعزلة والهيمنة. سوركين نفسه روى مؤخرًا واقعة من تصوير فيلم 2010 حين ترك له فينشر إخراج آخر لقطة في اليوم الأخير، في لحظة بدت وقتها رمزية، لكنها تبدو الآن أكثر دلالة بعد أن حمل سوركين المشروع الجديد على كتفيه بالكامل.
وبحسب مقابلة أخرى، كان سوركين لسنوات يربط فكرة العودة إلى هذا العالم بوجود فينشر على كرسي الإخراج، لكن عندما تعذر ذلك، مضى هو بنفسه في المهمة. هنا تحديدًا يصبح اعترافه بضعفه البصري مهمًا: فهو لا يقدمه كتبرير، بل كتشخيص لطبيعة موهبته وحدودها. وهذه نقطة قد تلقى احترامًا لدى النقاد أكثر من الخطابات الدعائية المعتادة.
لماذا يهم هذا الخبر جمهور السينما في مصر والمنطقة؟
قد يبدو الخبر أمريكيًا خالصًا في ظاهره، لكنه يلامس أسئلة تهم القراء في مصر والمنطقة العربية، خصوصًا متابعي قسم السينما العربية حين ينفتح على التغطية القارية والدولية المؤثرة في صناعة الصورة. فالجمهور هنا يتابع منذ سنوات كيف تتحول قصص التكنولوجيا والسياسة والفضائح المؤسسية إلى أعمال درامية كبيرة، وكيف يمكن للسينما أن تعيد تفسير وقائع عرفها الناس أولًا عبر الشاشات والهواتف.
كما أن القضية تمس سؤالًا مألوفًا في صناعتنا أيضًا: هل يكفي النص القوي لصنع فيلم كبير؟ أم أن الرؤية البصرية تبقى العنصر الذي يحسم خلود العمل؟ تجربة The Social Network غالبًا ما تُستدعى كنموذج على تلاقي نص شديد الذكاء مع مخرج يملك بصمة بصرية حادة. أما The Social Reckoning فيبدو اختبارًا مختلفًا: ماذا يحدث عندما يقرر الكاتب نفسه أن يقود السفينة حتى النهاية؟
معلومات أساسية حول الفيلم الجديد
- اسم الفيلم: The Social Reckoning.
- الكاتب والمخرج: آرون سوركين.
- الاستوديو: Columbia Pictures / Sony Pictures.
- موعد الطرح في الولايات المتحدة: 9 أكتوبر 2026.
- الأبطال: ميكي ماديسون، جيريمي ألين وايت، جيريمي سترونج.
- الخلفية الدرامية: مستوحى من وقائع مرتبطة بفرانسيس هاوجن وتحقيقات “The Facebook Files”.
خلاصة المشهد
اعتراف آرون سوركين لا يقل أهمية عن الفيلم نفسه من زاوية المتابعة الصحفية؛ لأنه يكشف بوضوح التوتر الدائم بين الكتابة والإخراج في السينما الأمريكية. الرجل الذي صنع واحدًا من أشهر نصوص العقد الماضي عن فيسبوك يعود اليوم إلى العالم ذاته، لكنه يعود هذه المرة محمّلًا بوعي أكبر بنقاط قوته وضعفه. وبين إرث ديفيد فينشر وثقل صورة The Social Network، سيبقى السؤال مطروحًا: هل ينجح سوركين في تحويل صدقه المهني إلى فيلم يقف على قدميه بعيدًا عن ظل العمل الأول؟