«أربعتاشر» في تورنتو 2026.. دفعة جديدة للسينما المصرية
ماذا يعني وجود «أربعتاشر» في Platform قبل انطلاق تورنتو؟
تأكيد مشاركة الفيلم المصري «أربعتاشر» للمخرج سامح علاء في مسابقة Platform ضمن الدورة الـ51 من مهرجان تورنتو السينمائي الدولي، المقرر إقامتها من 10 إلى 20 سبتمبر 2026، ليس مجرد خبر مهرجاني عابر. الخطوة تحمل وزنًا مضاعفًا لأن الحديث هنا عن حضور مصري داخل برنامج تنافسي في واحد من أهم مهرجانات الخريف في العالم، وفي توقيت يسبق انطلاق الموسم الدولي الذي كثيرًا ما يعيد ترتيب خريطة الاكتشافات السينمائية والرهانات الفنية. وقد أعلنت وسائل مصرية هذا الاختيار، فيما يعرّف TIFF برنامج Platform باعتباره مساحة مخصصة للأفلام ذات الرؤية الإخراجية الواضحة والجريئة، على أن تختار لجنة تحكيم دولية الفيلم الفائز بالجائزة.
الأهمية هنا لا ترتبط فقط باسم المهرجان، بل بطبيعة القسم نفسه. فـPlatform داخل TIFF ليس قسماً جماهيريًا عامًا، بل منصة انتقائية تسلط الضوء على سينما المؤلف والأصوات الإخراجية التي تملك لغة خاصة. وبحسب تغطية Screen Daily، فإن نسخة 2026 شهدت توسيع القسم ليضم 12 عرضًا عالميًا أول، ما يعني أن المنافسة نفسها تقع في مساحة مهنية شديدة التركيز من نقاد، ومبرمجين، ووكلاء مبيعات، ومتابعين لموسم الجوائز والمهرجانات.
سامح علاء.. اسم مصري راكم رصيدًا دوليًا بالفعل
ما يجعل الخبر أكثر أهمية للقارئ المصري أن سامح علاء ليس اسمًا يظهر من فراغ. المخرج المصري بنى خلال السنوات الماضية مسارًا دوليًا لافتًا، وكانت محطته الأبرز فوز فيلمه القصير «أخشى أن أنسى وجهك» أو I Am Afraid to Forget Your Face بالسعفة الذهبية للفيلم القصير في مهرجان كان عام 2020، وهي محطة رسخت اسمه على رادار الصناعة الدولية. كما أن مشاركته الحالية في تورنتو تأتي، وفق التغطية المصرية، باعتبارها المشاركة الثانية له في المهرجان بعد فيلمه الأول «خمستاشر».
هذا التراكم مهم للغاية في قراءة دلالة «أربعتاشر». فالسينما المصرية عالميًا لا تتحرك فقط عبر الأفلام الروائية الطويلة أو عبر الأسماء الراسخة، وإنما كذلك عبر جيل من صناع الأفلام القصيرة والرسوم المتحركة الذين يستثمرون في المهرجانات الكبرى لبناء مسارات مهنية ممتدة. وعندما يصل مخرج مصري إلى Platform في تورنتو بعد كان، فإن الرسالة ليست أن هناك نجاحًا فرديًا فقط، بل أن الاستمرارية ممكنة، وأن الفيلم المصري المستقل قادر على العودة مرة بعد أخرى إلى دوائر الاختيار الدولية.
ما الذي نعرفه عن «أربعتاشر»؟
بحسب ما نُشر عن الفيلم، فإن «أربعتاشر» يحمل بالإنجليزية عنوان The Day I Smoked a Cigarette with My Father، وهو فيلم قصير ينتمي إلى الرسوم المتحركة، من تأليف وإخراج سامح علاء، ويشاركه الإخراج روبن فوتيرز/روبن فانلستن بحسب صيغ الترجمة المتداولة في التغطيات المنشورة. وتدور أحداثه في القاهرة عام 1964 حول الصبي «علاء» البالغ من العمر 12 عامًا، الذي يعيش مع أشقائه الثلاثة الأصغر، قبل أن تعيد عودة والده «إبراهيم» بعد غياب طويل تشكيل عالم الأسرة. كما أشارت التغطية إلى أن الفيلم سيشهد عرضه العالمي الأول ضمن فعاليات TIFF 2026.
هذه التفاصيل تبدو مهمة أيضًا من زاوية الهوية. فالفيلم مصري في موضوعه ومكانه وزمنه ولغته، لكنه يتحرك في إطار إنتاج مشترك يضم شركات وجهات من مصر وفرنسا وبلجيكا، بينها Fig Leaf Studios وWhite Boat، مع حضور للمنتج المصري مارك لطفي. وهذا بالضبط أحد المسارات التي أصبحت أكثر فاعلية في دفع الفيلم المصري إلى الخارج: الاحتفاظ بجذره المحلي مع امتلاك بنية إنتاج عابرة للحدود.
لماذا تورنتو تحديدًا محطة مؤثرة؟
مهرجان تورنتو لا يعمل فقط كحدث جماهيري ضخم، بل كعقدة مركزية في سوق الخريف السينمائي. وجود فيلم مصري في برنامج تنافسي داخله يمنحه ما هو أبعد من العرض: يمنحه قابلية أعلى للبرمجة في مهرجانات لاحقة، وفرصة أكبر للوصول إلى مشترين وموزعين ومبرمجين يتابعون TIFF باعتباره نقطة انطلاق لكثير من العناوين الجديدة. كما أن TIFF أعلن في 2026 عن توسع نشاطه الصناعي عبر TIFF: The Market، وهو ما يعزز قيمة الوجود داخل المهرجان من منظور الصناعة وليس الاستعراض فقط.
ومن الزاوية المصرية، فإن هذا النوع من الظهور يكتسب قيمة إضافية لأن السينما المصرية كثيرًا ما تُقرأ خارجيًا من خلال عناوين قليلة أو أجيال بعينها. لذلك فإن ظهور «أربعتاشر» قبل انطلاق المهرجان في 10 سبتمبر يوسّع الصورة: مصر هنا ليست فقط سوقًا كبيرة أو ذاكرة سينمائية عريقة، بل أيضًا مختبر معاصر لأصوات فنية جديدة قادرة على المنافسة في أقسام نوعية وصعبة.
أثر مباشر على صورة السينما المصرية
1) تعزيز الثقة في الفيلم القصير والأنيميشن المصري
الخبر مهم لأنه يخص فيلمًا قصيرًا من الرسوم المتحركة، وهما مجالان لا يحظيان دائمًا بنفس الاهتمام الإعلامي الذي تناله الأفلام التجارية أو الروائية الطويلة داخل مصر. مشاركة «أربعتاشر» في Platform ترفع السقف أمام صناع الأفلام الشباب، وتقول بوضوح إن الفيلم القصير المصري ليس مجرد مرحلة تدريبية، بل يمكن أن يكون منتجًا فنيًا مكتملًا ينافس دوليًا.
2) دعم فكرة الإنتاج المشترك دون فقدان الهوية
الفيلم يقدم نموذجًا عمليًا على أن التعاون مع شركاء أوروبيين لا يعني تذويب الخصوصية المصرية. على العكس، التفاصيل المنشورة عن القصة والزمن والمكان تؤكد أن القاهرة في الستينيات والعلاقة الأسرية المصرية هما قلب المشروع. هذه المعادلة هي الأكثر أهمية اليوم لأي سينما وطنية تبحث عن تمويل وانتشار معًا.
3) فتح المجال أمام أسماء مصرية أخرى
كل اختيار في مهرجان كبير يخلق أثرًا يتجاوز الفيلم نفسه. عندما ينجح اسم مصري في تثبيت حضوره، يصبح الطريق أكثر قابلية أمام مشاريع لاحقة لمخرجين ومنتجين مصريين آخرين، سواء عبر الصناديق، أو أسواق المشاريع، أو دوائر البرمجة الدولية. ومشاركة مارك لطفي هنا لافتة كذلك، خصوصًا أن التغطيات أشارت إلى أنها المرة الثانية له في تورنتو بعد «دراما 1882».
ما الذي يجب متابعته قبل 10 سبتمبر؟
حتى قبل انطلاق المهرجان، هناك عدة مؤشرات تستحق المتابعة من مصر: توقيتات العرض الرسمية، المواد البصرية الأولى للفيلم، ردود فعل النقاد بعد العرض العالمي الأول، وأي إعلان لاحق يتعلق بتوزيع الفيلم أو انتقاله إلى مهرجانات أخرى. كما أن مجرد وجود اسم الفيلم داخل المواد الرسمية والحديث المتزايد حوله في الوسط المهني يمنحه قيمة ترويجية مبكرة، وهي قيمة لا تقل أهمية أحيانًا عن الجوائز نفسها.
وإذا كان مهرجان تورنتو الرسمي (@tiff_net على إنستغرام) سيبدأ زخمه الكامل مع اقتراب 10 سبتمبر 2026، فإن الرهان المصري الآن ليس فقط على نتيجة المسابقة، بل على نوع الحضور الذي يحققه «أربعتاشر» داخل واحدة من أكثر البيئات السينمائية تأثيرًا في العالم. فكل عرض ناجح، وكل قراءة نقدية جادة، وكل اهتمام صناعي بالفيلم، يضيف لبنة جديدة إلى صورة السينما المصرية كقوة فنية قادرة على التجدد والتصدير الثقافي معًا.
الخلاصة
مشاركة «أربعتاشر» في Platform بمهرجان تورنتو 2026 تعني أكثر من مجرد تمثيل مصري في مهرجان كبير. هي اختبار جديد لوزن السينما المصرية المعاصرة في دوائر الفن والصناعة الدوليتين، ورسالة بأن أسماء مصرية مثل سامح علاء قادرة على تحويل النجاحات السابقة إلى مسار مستمر، لا إلى لحظة عابرة. وقبل انطلاق TIFF في 10 سبتمبر، يمكن القول إن الفيلم منح السينما المصرية بالفعل مكسبًا أولًا: أنها حاضرة في النقاش العالمي من بوابة فيلم مصري محدد، وصانع مصري محدد، ورؤية فنية واضحة المعالم.