Egypt Box Office

«أبو سمبل» المُرمم في القاهرة: كيف تُبعث ذاكرة يوليو؟

عرض «أبو سمبل» المُرمم: مناسبة ثقافية تتجاوز الاستعادة الاحتفالية

يستضيف مركز الثقافة السينمائية بوسط القاهرة مساء الأربعاء 22 يوليو 2026 أمسية خاصة تتضمن عرض النسخة المُرممة من فيلم «أبو سمبل» للمخرج سعد نديم، إلى جانب الفيلم التسجيلي «حكاية من زمن جميل» للمخرج سعيد شيمي، وذلك ضمن برنامج المركز القومي للسينما للاحتفاء بذكرى ثورة 23 يوليو. وتُقام الفعالية في مقر المركز بشارع 36 شريف بوسط البلد، والدعوة فيها مجانية للجمهور، تحت إشراف الكاتبة أمل عبد المجيد، فيما يرأس المركز القومي للسينما الدكتور أحمد صالح.

في الظاهر، يبدو الأمر عرضًا أرشيفيًا لفيلم تسجيلي كلاسيكي. لكن في الجوهر، يقدّم هذا الحدث نموذجًا عمليًا لكيف يمكن لمؤسسة ثقافية مصرية أن تعيد وصل جمهور القاهرة المعاصر بصور تأسيسية من تاريخ الدولة الحديثة، لا عبر الخطب أو الشعارات، بل عبر السينما التسجيلية بوصفها وعاءً للذاكرة البصرية.

لماذا «أبو سمبل» تحديدًا في سياق ذكرى يوليو؟

اختيار فيلم «أبو سمبل» ليس اختيارًا جماليًا فقط، بل سياسي-ثقافي أيضًا بالمعنى الوطني الواسع. فالفيلم، بحسب ما تداوله المركز القومي للسينما في مناسبات سابقة، يرصد وقائع نقل معبد أبو سمبل بعد تحويل مجرى النيل في سياق مشروع السد العالي وما ترتب عليه من تحديات إنقاذ آثار النوبة. بهذا المعنى، لا يعيد العرض تقديم معلم أثري شهير فحسب، بل يستعيد لحظة من لحظات بناء الدولة المصرية في الخمسينيات والستينيات، حين ارتبطت التنمية الكبرى بفكرة حماية التراث في الوقت نفسه.

هذا الربط مهم جدًا لقراءة الذاكرة البصرية لثورة يوليو اليوم. فبدل اختزال الثورة في صور الضباط والبيانات السياسية، يوسّع فيلم مثل «أبو سمبل» نطاق التذكّر إلى مشروعات البنية التحتية، والهندسة الوطنية، والعمل الثقافي، والتعاون الدولي الذي أنقذ أحد أشهر معابد مصر القديمة من الغرق.

من المعبد إلى الشاشة: ذاكرة مصر الحديثة في صورة واحدة

يملك معبد أبو سمبل حضورًا بصريًا نادرًا: الواجهة الصخرية الهائلة، تماثيل رمسيس الثاني، وارتباط الموقع بأسوان والنوبة والسد العالي. ولهذا يصبح الفيلم التسجيلي هنا وسيطًا مثاليًا بين التاريخ القديم والتاريخ الحديث. فالمتلقي لا يشاهد أثرًا فرعونيًا فقط، بل يشاهد كيف أعادت مصر القرن العشرين تعريف علاقتها بتراثها تحت ضغط التحولات الكبرى.

وزارة السياحة والآثار تذكر أن المعبدين نُقلا إلى موقعهما الحالي عام 1968 بعد تهديد ارتفاع المياه الناتج عن السد العالي، وأن الموقع أُدرج لاحقًا ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي عام 1979. كما تشير اليونسكو إلى أن حملة الإنقاذ الدولية امتدت من 1960 إلى 1980، وأن افتتاح أبو سمبل في موقعه الجديد جرى في 22 سبتمبر 1968. هذه التواريخ ليست هامشية؛ إنها تعطي للفيلم قيمة وثائقية مضاعفة حين يُعرض في سياق ذكرى يوليو.

سعد نديم: لماذا يبقى اسمه أساسيًا في هذا النوع من العروض؟

يصعب الحديث عن استعادة الذاكرة البصرية المصرية من دون التوقف عند سعد نديم، الذي يُنظر إليه باعتباره أحد أبرز رواد السينما التسجيلية في مصر والعالم العربي. وتؤكد مراجع سيرته السينمائية أن مشروعه كان منحازًا بقوة إلى الواقع المصري وإلى الفيلم التسجيلي بوصفه أداة معرفة وتوثيق، لا مجرد شكل دعائي عابر. لذا فإن عرض «أبو سمبل» اليوم لا يعني فقط إعادة تقديم فيلم قديم، بل إعادة تقديم لغة سينمائية كاملة كانت ترى في الكاميرا وسيلة لحفظ التحولات الوطنية الكبرى.

وهنا تبرز قيمة الترميم. فحين يُعرض الفيلم بنسخته المُرممة، فإن المسألة لا تتعلق بتحسين الصورة والصوت فحسب، بل بإنقاذ وسيط الذاكرة نفسه من التآكل. الترميم هنا فعل ثقافي يساوي، على مستوى السينما، ما تعنيه صيانة المعابد أو إنقاذ الوثائق الأرشيفية على مستوى التاريخ المادي.

كيف يعيد مركز الثقافة السينمائية تقديم هذه الذاكرة لجمهور القاهرة اليوم؟

الأهم في هذه الأمسية ليس الفيلم وحده، بل طريقة تقديمه. فمركز الثقافة السينمائية، التابع للمركز القومي للسينما، يعمل من قلب القاهرة، في مساحة يسهل الوصول إليها داخل وسط البلد، ويقدّم فعالياته مجانًا. هذا التفصيل التنظيمي مهم، لأن الذاكرة الوطنية حين تظل حبيسة الأرشيف أو المهرجانات المتخصصة تفقد جزءًا من فاعليتها العامة. أما حين تعود إلى شاشة مفتوحة للجمهور، فإنها تستعيد دورها التنويري.

اختيار عرض «أبو سمبل» إلى جانب «حكاية من زمن جميل» يوضح أيضًا أن البرمجة لا تعتمد على عنوان واحد منفصل، بل على مجاورة فيلمية بين عملين يستعيدان مرحلة تاريخية مهمة عبر التسجيل والصورة والشهادة. وبهذا، يصبح المشاهد مدعوًا لا إلى استهلاك فيلم قديم، بل إلى الدخول في مزاج تاريخي وبصري متكامل يربط بين الذاكرة الشخصية والذاكرة الوطنية.

جمهور 2026 يشاهد بصورة مختلفة

الفارق بين متلقي الستينيات ومتفرج القاهرة في 2026 كبير. جمهور اليوم يأتي من بيئة رقمية سريعة، معتادة على المنصات القصيرة واللقطة الخاطفة. لذلك تبدو إعادة عرض فيلم تسجيلي مُرمم مثل «أبو سمبل» اختبارًا مهمًا لمدى قدرة المؤسسات الثقافية على إعادة تأهيل المشاهدة نفسها: الصبر على الصورة، الانتباه للتفاصيل، قراءة التعليق والمونتاج، وفهم الفيلم كوثيقة لا كمنتج ترفيهي فقط.

هذه هي بالضبط وظيفة مركز الثقافة السينمائية عندما يربط بين المناسبة الوطنية والعرض المجاني والمكان المركزي والعمل المُرمم. إنه لا يقدّم «ذكرى» فحسب، بل يعيد تدريب العين على استقبال التاريخ من خلال السينما.

بين ترميم الفيلم وترميم الوعي

إذا كان معبد أبو سمبل قد نجا ماديًا بفضل مشروع إنقاذ ضخم، فإن فيلم «أبو سمبل» يذكّرنا بأن الصور أيضًا تحتاج إلى إنقاذ. كثير من الأفلام التسجيلية المصرية، خصوصًا المرتبطة بالمشروعات القومية والتحولات الاجتماعية، مهددة بالنسيان أكثر من التلف. ومن هنا تأتي أهمية أن يتولى المركز القومي للسينما إعادة تداول هذا التراث لا بوصفه ماضيًا مغلقًا، بل بوصفه مادة حية للحوار مع الحاضر.

بالنسبة للقارئ المصري، وبالذات جمهور القاهرة، فإن قيمة هذا العرض تكمن في أنه يعيد صياغة سؤال قديم بصيغة جديدة: كيف نتذكر يوليو؟ الإجابة التي يقترحها المركز هنا واضحة: نتذكرها عبر الصورة المصرية، وعبر أفلام صنعتها عيون مصرية رأت في التغيير التاريخي مشهدًا يستحق الحفظ.

لماذا يستحق هذا العرض المتابعة؟

  • لأنه يعرض نسخة مُرممة من فيلم تسجيلي يرتبط مباشرة بواحدة من أهم لحظات مصر الحديثة.
  • لأنه يحيي اسم سعد نديم في وقت تحتاج فيه السينما التسجيلية المصرية إلى إعادة قراءة جادة.
  • لأنه مجاني ومفتوح للجمهور في موقع مركزي بوسط القاهرة، ما يعزز إتاحة الثقافة.
  • لأنه يربط ذكرى 23 يوليو بمحتوى بصري موثق، لا بخطاب احتفالي فقط.
  • ولأنه يذكّر بأن ترميم الأفلام جزء أساسي من صون الذاكرة الوطنية.

في النهاية، فإن عرض «أبو سمبل» يوم 22 يوليو لا يبدو مجرد فقرة في أجندة ثقافية صيفية، بل خطوة محسوبة ضمن مسار أوسع لاستعادة الذاكرة البصرية لثورة يوليو أمام جمهور القاهرة الآن. وبين معبد جرى إنقاذه من الماء، وفيلم جرى إنقاذه من التآكل، تتجدد الفكرة نفسها: ما يستحق البقاء في الوجدان يجب أن يبقى أيضًا على الشاشة.